fbpx
تقارير

ضحايـا التعذيـب فـي قاعـة الانتظـار

يشتكون ضعف الإدماج بسبب عدم إحداث المركز الوطني لإعادة تأهيلهم

أحرز المغرب تقدما في مصادقته على المواثيق الدولية، والتزاماته في مجال حماية حقوق الإنسان، فضلا عن الخطوات التي جاء بها الدستور الجديد، والتي تحمي ضحايا التعذيب وتمنع وقوع حالات أخرى في المملكة، لكن مازال ضحايا سنوات الرصاص يعانون الإهمال، نتيجة عدم إدماجهم بشكل جيد في المجتمع، إذ لم يتم تفعيل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة بعد، التي من بينها إنشاء مركز وطني لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، ما دفع الجمعيات إلى تقديم الدعم المادي والمعنوي لهذه الفئة الهشة.

نظمت الجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، ندوة من أجل عرض نتائج البرنامج المنجز بدعم من مندوبية وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان (سابقا)، الأحد الماضي بالبيضاء تحت شعار “من أجل مغرب خال من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية”.

50 ألف ضحية ينتظرون العلاج
قال عمر بنعمر، رئيس الجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، إن هذا البرنامج يعد أول مشروع تشتغل عليه الجمعية، بمساندة المندوبية الوزارية، مضيفا أن المغرب خطا خطوات مهمة في مجال حماية حقوق الإنسان، لكن ذلك يظل غير كاف، على حد تعبيره، داعيا الحكومة إلى التقصي بخصوص الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتعامل بجدية مع نداءات المواطنين.
وأوضح بنعمر، في كلمة له، أن “تأهيل العنصر البشري وعدم الإفلات من العقاب يعتبران الركيزتين الأساس، لمناهضة التعذيب، من خلال تضمين مادة حقوق الإنسان في تكوين حراس السجون، فضلا عن دعوتهم إلى التمسك بالقواعد الدنيا في التعامل مع السجناء، وكذلك أخذ الشكايات بعين الاعتبار”.
من جهته، أكد عبد الكريم المانوزي، الكاتب العام للجمعية، أن البرنامج المشترك مع المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، يعتبر إضافة نوعية في إطار تقديم الدعم لضحايا التعذيب، مبرزا أن البرنامج شمل البيضاء وبني ملال وأكادير، متمنيا الوصول إلى جميع جهات المملكة، مشيرا إلى أن حوالي 5000 ضحية استفادت من خدمات الجمعية، بالإضافة إلى وجود ما يناهز 50 ألف شخص مازالوا ينتظرون العلاج، أغلبهم يقطنون في مناطق نائية.

تفعيل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة
دعا عبد الكريم المانوزي، الكاتب العام للجمعية الطبية لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، إلى تفعيل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، بما فيها خلق مركز وطني لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، الذي لم يخرج لحيز الوجود إلى حدود اليوم، فضلا عن الانتقادات الموجهة إلى الآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، التي كان بعض الحقوقيين يتمنون أن تكون مستقلة عن الدولة، كما جاء على لسانه.
وانتقد الناشط الحقوقي ظاهرة الاكتظاظ في السجون، التي تعد شكلا من أشكال التعذيب، وفق الاتفاقيات الدولية، علاوة على إعادة النظر في مفهوم التعذيب، خاصة في بعض مواد القانون الجنائي، مؤكدا على ضرورة سهر السلطات على معاقبة مرتكبي التعذيب، وتكوين مختلف الفاعلين في المجال، وكذلك المطالبة بملاءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، ثم إعداد ترسانة مؤسساتية تحمي المواطنين من أي انتهاكات.
قلة إمكانيات الجمعيات
تشتكي الجمعية الطبية لتأهيل ضحايا التعذيب من العديد من العوائق، التي تحول دون أداء جميع المهام المنوطة بها بشكل ناجع، من قبيل النقص في ميزانيتها، ما يجعلها لا تستطيع علاج جميع الضحايا والتكفل بهم. تضاف إلى ذلك، المعيقات الإدارية، المتجلية أساسا في البيروقراطية الإدارية وتعقيد المساطر، إذ سبق أن تم منع إحدى أنشطتها، لكن تمت تسوية المسألة فيما بعد.
وتهتم الجمعية فقط بضحايا سنوات الرصاص، لكنها تعد بمعالجة قضايا أخرى في المستقبل، بتنسيق مع السلطات الحكومية، مثل اللاجئين والأفارقة والسوريين، رغم قلة الإمكانيات. وحسب مداخلات أعضاء الجمعية، فإن الطب الشرعي، الذي يهتم بالتحقيق في أسباب الوفاة، نادر بالمغرب إذ يوجد أطباء على رؤوس الأصابع، وكذلك غياب مادة حقوق الإنسان في تكوين الأطباء بالجامعات.

حصيلة إيجابية
تهدف الجمعية الطبية لتأهيل ضحايا التعذيب من هذا المشروع، الذي انطلق في 2014، إلى تعريف السكان والناشطين الحقوقيين والمجتمع المدني، بالتقدم الذي أحرزه المغرب على مستوى مصادقته على المواثيق الدولية، والتزاماته في هذا المجال من جهة، وتقديم إسعافات مجانية لسكان المناطق التي عانت التهميش لسنوات، واستقبال عدد كبير من ضحايا التعذيب بالبيضاء، من أجل إجراء فحوصات وتشخيصات طبية والقيام بعمليات جراحية بالمجان من جهة ثانية.
ويندرج المشروع ضمن هدفين أساسيين، هما إنجاز معرض متنقل للتعريف بمضامين الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وتنظيم قوافل للتحسيس والتوعية والتكوين عبر التراب الوطني بهدف تقوية حصانة المواطنين ضد التعذيب، مع استهداف الشباب منهم، ثم في درجة ثانية، تعبئة كل الفاعلين الجمعويين والمؤسساتيين من أجل المساهمة في مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.

آفاق منفتحة

تجلت أول مرحلة في برنامج تقوية حصانة المواطنين من التعذيب، بصياغة وإنتاج معرض متنقل، للتعريف بحقوق الإنسان، أنجزته الجمعية الطبية لتأهيل ضحايا التعذيب، بشراكة مع مختلف النشطاء الحقوقيين لمدة قاربت ثلاثة أشهر من العمل، ثم إنتاج المعرض الحقوقي المكون من ثماني عشرة لوحة، تتضمن مختلف النصوص الخاصة بالالتزامات الدولية للمغرب في مجال التعذيب، مع بعض الشهادات الحية حول التعذيب، التي دونت عبر تنظيم 12 حصة استماع لفائدة الضحايا، كما تتضمن التعريف بتجربة المغرب في مجال إنصاف ضحايا التعذيب وضروب المعاملات اللاإنسانية، وبمقتضيات دستور 2011. ونظمت الجمعية الطبية لتأهيل ضحايا التعذيب، ست قوافل في ثلاث مدن، همت البيضاء وبني ملال وأكادير، على دفعتين متتاليتين، ابتدأت بقافلة بني ملال ما بين 14 و20 فبراير 2015، وانتهت بقافلة أكادير خلال الفترة الممتدة من 10 و11 مارس الجاري.
إنجاز: مصطفى شاكري – (تصوير: عبد الحق خليفة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى