مجزرة بورسعيد مدبرة للانتقام لموقعة الجمل عشية الذكرى الأولى لموقعة الجمل التى حدثت في 2 فبراير 2011، تمكن نظام الرئيس السابق حسنى مبارك من نصب كمين محكم ل»ألتراس الأهلي»، أسفر عن قتل حوالي 73 شابا وإصابة المئات في مذبحة مروعة تناقلتها الفضائيات من «استاد» النادي المصري في بورسعيد. نعم... المجزرة كانت مدبرة للانتقام من «ألتراس الأهلي» الذي لعب أعضاؤه دورا فارقا فى ثورة 25 يناير، وتصدوا ببسالة لغزوة البغال والجمال في ميدان التحرير عصر يوم 2 فبراير 2011، وكانوا في مقدمة الشباب الذين أفشلوا خطة إخلاء الميدان من الثوار وفتحه أمام جحافل البلطجية المأجورين وأمناء الشرطة الذين تخفوا في ملابس مدنية وموظفي شركات رجال أعمال عصر مبارك الفاسدين، وكلنا يعلم الآن أن نجاح هذه الخطة التي جاءت مباشرة بعد خطاب مبارك العاطفي ليلة 1 فبراير، كان كفيلا بإجهاض الثورة في مهدها.والذين شاهدوا ما حدث، لابد أنهم اندهشوا من الإخراج المحكم للمجزرة، وتوزيع أدوارها بدقة شديدة، والتنبيه على كل طرف من أطرافها بتنفيذ دوره حتى النهاية، فقد لاحظ الشعب المصري كله أن النقل المباشر للأحداث لم ينقطع لحظة واحدة، وأن بعض المعلقين على الأحداث في الفضائيات كانوا حريصين على تمرير رسالة واحدة هي أن ما يحدث الآن هو نتيجة طبيعية للفوضى التي تسببت فيها الثورة.وقد انتبه كثيرون إلى أن شخصا ما قام بإطفاء أنوار الملعب في مثل هذا الظرف العصيب الذي يزيده الإظلام رعبا ووحشية، في الوقت الذي تعمد فيه شخص آخر إذاعة أغنية لمطرب شعبي تدعو إلى الرقص والغناء، وقد ظلت الأغنية تتردد عبر مكبرات الصوت في الملعب وعبر الفضائيات، وكأن هناك من يصر على إعلان ابتهاجه بهذا النصر على الملأ كله!وشاهد كثيرون تشكيلات الأمن المركزي في الملعب وهي تأخذ أماكنها قبل دقائق من انتهاء المباراة، ثم وهي تقف بلا حراك في انتظار أوامر القيادة بالتحرك، وبدا واضحا أن هناك من تعمد ترك هذه التشكيلات بلا تعليمات، وكلنا يعلم أن جنود الأمن المركزي لا يتصرفون أبدا إلا بأوامر محددة.وقد تزامن هذا مع وجود المعلقين الرياضيين واللاعبين السابقين في الاستديوهات، ومعظمهم، كما نعرف، يفتقرون إلى الوعي السياسي، وقد قاموا بدورهم في وصف المجزرة باعتبارها معركة بين شعب بورسعيد ومشجعي الأهلي، وهو وصف كفيل بوضع البلد على شفا حرب أهلية تشفي غليل مبارك ورجاله.قبل ذلك كله، لاحظ المعنيون بالرياضة أن محافظ بورسعيد ومدير أمنها غابا للمرة الأولى في تاريخ لقاءات الأهلي والمصري عن حضور المباراة، وغابت للمرة الأولى مراسم افتتاح المباراة، التي حرص عليها المحافظ ومدير الأمن طيلة عقود، وكانا خلالها يحرصان على مصافحة الفريق الضيف وجهازه الفني قبل بدء المباراة، وقد كان هذا الغياب غير المبرر هو أهم دليل على أن شيئا خطيرا سيحدث خلال هذه المباراة.الأمر الأكثر إدهاشا أن ما حدث كان يمكن فهمه، وليس تبريره، لو انتهت المباراة بفوز الأهلي، أما أن تحدث هذه المجزرة الوحشية والأهلي مهزوم بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، لأول مرة في تاريخ مبارياته مع المصري، وأن يقوم المنتصر في بلده بارتكاب هذه المذبحة ضد الفريق المهزوم ومشجعيه، فهذا ما لا يمكن فهمه أبدا في إطار التحليل الرياضي للمباراة، ولكنه مفهوم جدا في إطار التجهيز المحكم للانتقام الوحشي من «ألتراس» الأهلي عقابا له على دوره الباسل في ثورة 25 يناير. كما أن ما حدث لا يمكن عزله أبدا عن الأحداث المريبة التي شهدتها مصر خلال الأسبوع الأخير، خصوصا الانتشار المفاجئ لحوادث السطو المسلح على البنوك وسيارات نقل الأموال ومكاتب البريد. إنها إذن الثورة المضادة، التي سجلت انتصارا فاجرا ومفجعا، وتخطط الآن لاستخدام المعلقين الرياضيين في إحداث حرب أهلية... ولكني أبشر «الثوار» بأنها صحوة الموت، وبأن هذه الضربة الموجعة ستكون سببا نهائيا في استمرار الثورة حتى نقتلع نظام مبارك من جذوره، وحتى نتفرغ بعد ذلك لبناء مصر جديدة. بقلم: محمد البرغوثي عن «المصري اليوم»