fbpx
ملف الصباح

الريف…”على سبة”

الزلزال الملكي سحب البساط من تحت حراك اختلطت مطالبه العلنية بنواياه السيئة

أخمد الزلزال الملكي، نسبيا، شرارة الاحتجاجات بالريف، وأساسا بالحسيمة وسيدي عابد وإمزرون وبني بوعياش التي عاشت أشهرا من الاضطرابات، مباشرة بعد الوفاة المأساوية لبائع سمك في شاحنة للأزبال.
وعاد الهدوء إلى مدن الشمال، بعد الإشارات السياسية القوية الموجهة من الدولة، سواء في معاقبة مسؤولين عن تعثر برامج التنمية، أو في ضخ دماء جديدة في المشاريع المنصوص عليها في مخطط الحسيمة، منارة المتوسط”، علما أن أسر المعتقلين، على خلفية هذه الاحتجاجات، مازالت تطالب بإطلاق سراح أبنائها، وتعتبره شرطا لتصفية الأجواء.
ولم يعد خافيا، أن سكان المنطقة ظلوا، طيلة 15 سنة، ينظرون بارتياب إلى جميع برامج التنمية والتأهيل وإعادة التأهيل ومشاريع المصالحة المقدمة من الدولة في إطار جبر الضرر الذي تعرضت له المنطقة وأهاليها في السنوات الأولى للاستقلال ومنتصف الثمانينات، كما عبروا أكثر من مرة عن موقفهم من انعدام إرادة حقيقية لحل الملفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العالقة، والانتقال إلى مرحلة بناء الثقة.
وكان الجميع، أو بعضهم على الأقل، يبحث عن شرارة لتفجير الوضع وإعادة التذكير بمطالب المنطقة، لتأتي لحظة الوفاة المأساوية لمحسن فكري، أو ما أضحى يسمى “سماك الحسيمة” في 28 أكتوبر 2016.
في تلك الليلة، تجمع مئات المواطنين والشباب في ساحة عمومية، مطالبين بفتح تحقيق نزيه في حادث طحن بائع السمك في شاحنة للأزبال، ومحاسبة المسؤول الأمني الذي سمع يقول “اطحن مو”، دون التأكد فعلا من التفوه بتلك الجملة.
وفجأة، تحولت الاحتجاجات العفوية التي انطلقت من أمام مفوضية الأمن إلى اعتصام ضخم وشعارات ولافتات وانفلات، فرض على عامل الإقليم والوكيل العام لمحكمة الاستئناف النزول إلى الساحة ومخاطبة المحتجين، وتقديم وعد بفتح تحقيق نزيه في الحادث ومحاسبة جميع المتورطين فـــيه.
عاد العامل والوكيل العام من حيث أتيا، دون أن يبرح المحتجون أماكنهم بالساحة نفسها، مؤكدين أنهم لم تعد لهم الثقة في وعود المسؤولين، كما طالبوا بفتح تحقيق في أحداث سابقة، مثل وفاة خمسة شباب احتراقا داخل وكالة بنكية، وإطلاق سراح معتقلين، ورفع التهميش و”الحكرة” عن المنطقة برمتها.
بعد أيام، صدر بلاغ للوكيل العام يؤكد فيه الانتهاء من التحقيقات في قضية مقتل محسن فكري، واعتقال أربعة من مستخدمي شركة نقل الأزبال، ورئيس مصلحة بمندوبية الصيد البحري وتاجرين للسمك وطبيب بيطري، وخليفة وقائد ومندوب الصيد البحري.
تسارعت الأحداث، إذ انضمت إلى الاحتجاج عائلات المعتقلين الذين بدؤوا يتجمعون أمام محكمة الاستئناف، مطالبين بإطلاق سراحهم، لأنهم مجرد “أكباش فداء” لإسكات الشارع، حسب قولهم.
ووصلت الأحداث إلى مداها، حين اعتدى محتجون على مساكن وممتلكات أمنيين بمنطقة أمزورن، وأسفر ذلك عن تفحم حافلة وأربع سيارات تابعة للقوة العمومية، وسيارة أخرى في ملك للخواص، إضافة إلى إصابة 40 فردا من القوة العمومية واعتقال 15 محتجا، ضمنهم قاصرون.
بعد الانتهاء من تشكيل الحكومة، توجه وفد رسمي بقيادة وزير الداخلية الجديد، وعقد عددا من الاجتماعات مع المنتخبين ومسؤولي المدينة، توجت بإعادة إطلاق مشاريع مخطط “الحسيمة: منارة المتوسط”، بجميع محاوره وبرامجه التي ستكلف حوالي 990 مليار سنتيم.
وفي وقت اعتقد الجميع أن هذه الزيارة ستكون فاتحة هدوء في المنطقة، انطلقت الاحتجاجات والتحرشات والاستفزازات، التي وصلت حد اقتحام مسجد ومنع خطبة يوم جمعة، ما سرع بإطلاق حملة من الاعتقالات في صفوف قيادات من الحراك.
في تلك الأثناء، كانت مؤسسات الدولة تشتغل لمعرفة حقيقة ما يجري في المنطقة، وضمنها المفتشية العامة لوزارة الداخلية والمفتشية العامة لوزارة المالية، ثم المجلس الأعلى للحسابات الذي أعد تقريرا ترتبت عنه إجراءات حاسمة، نجحت، نسبيا، في إخماد الاحتجاجات.
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى