fbpx
ملف عـــــــدالة

الآليات التقليدية فشلت في تطويق أزمة الجنوح البسيط

أسلوب سلب الحرية بما يحمله من إكراهات متضاربة لن يصلح في الجاني ما أفسدته بيئته ومحيطه الاجتماعي

إن منظومة حقوق الإنسان في جميع دول العالم المعاصر، ليست  فضاء جامدا، ولا شعارا اعلاميا للاستهلاك او الدعاية المجانية…. بل هي ترسانة من المبادئ المثلى والاهداف والنظم المتسمة بحركيتها المستمرة التي تكفل للفرد الحد الأدنى

من حريته الفطرية، وتصون كرامته الانسانية كمكون لا غنى عنه في إطار التركيبة المجتمعية، وتحقق العدالة الاجتماعية والقضائية بمفهومها الشامل بما فيها مبدأ المحاكمة العادلة
وتمظهراته الميدانية الفعلية، وعلى رأسها موضوع كيفية تقييد الحرية الفردية للمطلوب في الخصومة  الجنائية.

إن واقعة التقصي والاحاطة التي تباشرها هيآت البحث التمهيدي بمختلف اجهزتها او مسمياتها   عقب ارتكاب افعال توصف قانونا بالافعال الجرمية، تتم غالبا في سياق كواليس مجهولة، محمية بشرعية مسطرية قانونية تجد أساسها في ما يعرف بسرية البحث التمهيدي.
وما من شك أن هذه الأجواء مفعمة بالغموض وبصرف النظر عن حمولة الضمانات الحقوقية المقررة لها، يقينا قد تفرز بين الفينة والأخرى بعض المنزلقات والتمظهرات السلبية التي تمس حقيقة وسلامة الاعتراف الصادر عن المتهم بشان ارتكاب الفعل الجرمي ، أو نظيره الصادر عن أشخاص لهم علاقة بموضوع الخصومة الجنائية أو غيرهم من الاغيار، وبالتالي  تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في تحديد مصير المتهم أثناء المحاكمة وتقييد حريته في اثنائها باعتماد أسلوب الاعتقال، او تقييدها بضمانات موازية تؤهل عنصر محاكمته في حالة سراح، وهي منزلقات تبدو خطورة اهميتها في كونها  تقيد الحرية الشخصية للافراد المطلوبين في صكوك الاتهامات، وتهدم قرينة وامتياز قاعدة أن الشك يفسر لصالح المتهم، كما انها تحجب أمام شخص المتهم أي محاولة اخرى للتنصل من آثار هذا الاعتراف متى تعلق الامر بافعال توصف بالجنح، تأديبية كانت أم ضبطية استنادا إلى تنصيصات المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية التي تمنح للمحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات،  حجية معتبرة الى حد الاطلاقية، اذ يوثق بمضمونها إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات. كما تمنح لاعترافه قيمة قانونية وان كانت نسبية في الجنايات التي لا تعدو أن تكون محاضر وتقارير ضباط الشرطة القضائية المحررة والمنجزة بشأنها، مجرد بيان للاستئناس والتحري في اثناء المحاكمة.
وحري بنا التذكير انه كثيرة هي الملاحظات والمؤاخذات التي طالما  ظلت معلقة، ومنذ أمد بعيد  بشان مدى أهلية ظاهرة الاعتقال كوسيلة فعالة لاحتواء ايجابي ومنتج لظاهرة ارتفاع المؤشر الاجرامي، خاصة أنها  استحوذت على حيز متميز من  اهتمامات مهتمي الشان الحقوقي والقانوي، المحلي منه أو الدولي، بعد أن تبوأت مرتبة الصدارة وأضحت الآلية الاولى ذات الامتياز في ظل منظومة آليات مواجهة ظاهرة تصاعد المد الإجرامي، سيما ما تعلق منها بالجنوح البسيط. ملاحظات تزايدت وتيرتها في ظل نظام عالمي جديد اتسم بشكل خاص بتزايد عدد وحدة الأصوات الحقوقية وأصوات فعاليات المجتمع المدني المنادية بانهاء الهالة المصطنعة  للاعتقال كآلية ذات امتياز تتفوق على مثيلاتها المصنفة بدورها في خانة وسائل ضبط والتحكم في المد الاجرامي  الموازية  والمطالبة بالمقابل باعادة موقعته في سياق وضعه الطبيعي والاعتيادي كآلية عادية لمواجهة الجنوح البسيط، تتساوى بالصورة والقدر نفسهما مع غيرها من الوسائل الأخرى من حيث قيمتها القانونية وحجيتها الثبوتية، وآثارها الميدانية، والحد بالتالي من اطلاقية نفوذه التي بوأته مكانة ريادية فوق العادة  وصلت في أحيان كثيرة مستوى مبالغ فيه، بلغ إلى حد استحداث واصطناع أوصاف منحته حصانة مطلقة غير مستحقة، ومكنته من آلية فعالة اكبر من حقيقته وأوسع نطاقا من حجمه من قبيل: -»الاعتقال الوسيلة الأولى للردع الإجرامي..» -»…الاعتقال الوسيلة المثلى، وذات الامتياز لضبط الجرائم..» ….إلى غير ذلك من الألقاب والأوصاف التي ارتبطت عرفا وممارسة بهذه الآلية القانونية، وارتقت بها الى مرتبة استثنائية تقوت تمظهراتها الميدانية، خاصة في النظم القضائية الكلاسيكية التي لم تستطع مواكبة التطورات المتلاحقة التي شهدها ولا يزال المشهد الحقوقي المعاصر، إلى أن غدا الاعتقال الآلية الأولى ذات الامتياز في مواجهة المد التصاعدي للجرائم، سيما منها الأفعال الجرمية الموصوفة قانونا بالجنح، ضبطية منها او تاديبية.
بيد أن التساؤل الذي يبقى مطروحا هو:
هل حقيقة أن الزج بالجاني في غياهب السجون أو وضعه رهن الاعتقال الاحتياطي يعتبر إشارة إيجابية في اتجاه الحد من تفاقم الجريمة البسيطة، وهل بمقدور أسلوب سلب الحرية أو الاعتقال في ظل الوضع الحالي وبما يحمله من اكراهات متضاربة، أن يصلح في الجاني ما أفسدته بيئته ومحيطه الاجتماعي، وأن يمهد الأرضية لإيجاد سبل كفيلة لاعادة دمج الجاني في الوسط الاجتماعي وتسهيل عملية تأقلمه مع محيطه الجديد بشكل إيجابي ومنتج …
وهل استطاعت السياسة العقابية التي ترفع شعار الاعتقال أولا، أن تقدم أجوبة ملائمة وحلولا مقنعة للحد من ظاهرة الإجرام البسيط والحيلولة دون تكرار حالات العودة إليه… ؟
وإذا كان الأمر كذلك لماذا لم يستطع التوجه الجنائي بشأن مكافحة الجريمة البسيطة بالمغرب، من السيطرة على ظاهرة الجنوح البسيط رغم لجوءه المبالغ فيه أحيانا للاعتقال كآلية أساسية للمواجهة ، علما أن الحصيلة الميدانية للعمل القضائي بالمغرب تفيد أن هذا الأخير تجاوز المعدل النموذجي للاعتقال المتعارف عليه لدى أغلب الأنظمة القضائية المقارنة المحدد في 0,1 في المائة من مجموع التعداد التسكاني إذ أصبح يناهز بالمغرب نسبة 0 ,2 في المائة … فهل الخلل يكمن في غياب آليات قانونية وقضائية جديرة بأن تكون بديلا للعقوبات السالبة للحرية أو الاعتقال … أم أن العمل القضائي بالمغرب بتوجهه المحافظ  يفضل اعتماد هذا الأسلوب، مستندا في ذلك الى التنصيص التشريعي الذي يمنحه هذه الأحقية… ؟! ثم هذا هو التساؤل المهم حسب منظورنا الخاص … أمام الإحصائيات الميدانية المثيرة للانتباه والجدل في آن واحد لمعدلات العقوبة السالبة للحرية ، وأمام الارتفاع المهول في مؤشرات الاعتقال والاعتقال الاحتياطي بتزامن مع الارتفاع المضطرد لظاهرة الجريمة البسيطة وارتفاع حالات العود إليها داخل آجال زمنية قصيرة، أمام كل ذلك. أما آن الأوان لإعلان إفلاس أسلوب الاعتقال ، وسلب الحرية كعنصر أساسي معول عليه بالدرجة الأولى في الحد من ظاهرة الجريمة البسيطة، ومن ثمة إعادة موقعته في تموضعه الأصلي كمجرد تدبير استثنائي لا يلجأ إليه إلا في حالات وبشروط خاصة ، وبالمقابل فتح المجال أمام بدائل وأساليب جديدة لخوض غمار هذه المواجهة وفي أفق اعتمادها كمرجعية وآلية لمجابهة ظاهرة الجنوح البسيط … ؟ تساؤلات أضحت أكثر من أي وقت مضى تنتظر إجابات ميدانية مقنعة تتجاوز مستوى التوصيات والمناظرات ومحافل الندوات … هذه الأخيرة التي أصبحت مقرراتها حبيسة التصورات النظرية في غياب إستراتيجية فعلية لتجسيدها على أرض الواقع العملي … فناقوس الخطر دق معلنا الحقيقة المرة التي طالما حاول البعض تجاهلها أو على الأقل إرجاء الحسم فيها الى حين … إن الإحصائيات المتوافرة الى حدود نونبر 2004 ، أبانت أن عدد المعتقلين تجاوز سقف 50 ألف  معتقل، وبالضبط بلغ 58067 ، وهو ما يمثل نسبة 0,2 في المائة تقريبا من التعداد التسكاني في حين أن المعدل التقريبي المتعارف عليه لدى مختلف الأنظمة القضائية المقارنة لا يتجاوز نسبة 0,1 في المائة بالنسبة لعدد السكان ، وهي النسبة التي حافظ عليها المغرب اعتبارا من بداية  السبعينات إلى حدود بداية التسعينات، حيث عرف معدل الاعتقال ارتفاعا بأزيد من درجتين، إذ انتقل من معدل 5 ,79 في منتصف التسعينات ، الى معدل 7,93 في بداية الألفية الثالثة وبالضبط سنة 2003 .
إن وضعية الاعتقال تعتبر عن حق المرآة العاكسة لمدى نجاعة السياسة العقابية ، والتي تشكل بدورها جزءا لا يتجزأ من السياسة الجنائية، كما تعتبر من زاوية أخرى مقياسا ترصد من خلاله مدى قدرة المؤسسة القضائية المختصة على التأقلم والتكيف مع المتطلبات  الراهنة والهادفة الى تحقيق سياسة عقابية فاعلة بمقدورها الحد من تفاقم ظاهرة الجنوح، خاصة البسيط منه، في الوقت نفسه الذي تشكل فيه ملاذا آمنا ومضمونا لتقويم سلوك المنحرف في انتظار إعادة إدماجه داخل وسطه الاجتماعي.
بيد أن توظيف إمكانية الاعتقال بشكل مبالغ فيه دون ضوابط تراعي راهنية الأجواء السوسيو- اقتصادية السائدة وبمعزل عن مجموعة من العناصر الأخرى المؤثرة، قد تكون له نتائج عكسية، تجد تمظهرها بالأساس في ارتفاع حدة الاعتقالات بتزامن مع غياب نتائج ميدانية تؤثر في الظاهرة الجرمية المرتبطة بالجنوح البسيط وتنحو بها نحو الانخفاض التدريجي، مع الحيلولة دون العودة إلى ارتكاب الفعل الجرمي مستقبلا … .
وإذا كان لابد من التذكير أنه إذا كانت هناك مجموعة من العوامل التي تكرس ظاهرة الإفراط السلبي للاعتقال، يتداخل فيها ما هو تشريعي بما هو اجتماعي واقتصادي، فإن العمل القضائي يتحمل من جهته النصيب الأكبر في تصاعد حدة هذه الظاهرة …

يوسف بنباصر
(قاض بابتدائية تطوان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى