الأدوار الحاسمة للكاتب العامين والمديرين المركزيين للوزارات هل من الممكن أن يتحول الجسم الإداري للدولة إلى أحد "جيوب" المقاومة ضد حكومة بنكيران؟ وهل يمكن للحكومة الجديدة التي حازت على شرعية مجلس النواب بعد المصادقة على برنامجها أن تخضع الإدارة لسلطة رئيسها كما ينص على ذلك الدستور؟ أم أن "اللوبي" الإداري سيظل في مرتبة أعلى من الحكومة، رغم الصلاحيات التي يتمتع بها رئيس الحكومة في الدستور الذي يمنحه اختصاص اقتراح التعيين في المناصب السامية على مجلس الوزراء الذي يرأسه الملك؟ كل التجارب الحكومية السابقة كانت توحي بتبعية الوزير للكاتب العام والمديرين المركزيين للوزارات في مجمل القرارات التي يتخذها، وبأن حالة الشلل التي يمكن أن تهدد المرفق العام منبعها دائما لوبي إداري قوي يستمد نفوذه من خارج الحكومة، ولا يمكن للوزير إلا أن يتعايش معه، إذا ما رغب في الاستمرار في منصبه، ذلك أن امتيازات هذا اللوبي الإداري ومصالحه تجعل منه أخطبوطا متعدد الأذرع داخل مسالك الإدارة، وبالتالي، فإن أهم عقبة يمكن أن تواجه وزراء الحكومة الملتحية هي الإدارة، خاصة أن خطابات التخليق والترشيد والحكامة ومحاربة الفساد لن تجد لها طريقا نحو التنفيذ، إلا من خلال إصلاح الإدارة وتغليب معايير الكفاءة والمردودية على عوامل القرب والمصاهرة والمصالح التي طبعت تعامل الحكومات السابقة مع الجسم الإداري للدولة.وتجد التساؤلات السابقة شرعيتها في الجدل المثار حاليا حول حرب غير معلنة تجري بين كتاب عامين ورؤساء مصالح من جهة، ووزراء في حكومة بنكيران من جهة أخرى.وتشير مصادر حكومية في هذا الصدد إلى أن وزراء فضلوا عدم استعجال سحب تفويضات التوقيع من بعض الكتاب العامين، إلى حين دخول القانون التنظيمي الجديد للحكومة حيز التنفيذ، معتبرة أن أي حرب معلنة بين الوزراء والرؤوس الإدارية النافذة، من شأنها أن تؤدي إلى عرقلة العمل الحكومي وشلل المصالح الإدارية.وحاول وزراء في حكومة بنكيران الحد من تحركات بعض الكتاب العامين من خلال إلغاء صفقات عمومية، وسحب التفويض منهم، ما عجل بحرب ضروس بين حكومة الإدارة وحكومة الوزراء. كما لم يتردد بعض وزراء ال"بي جي دي" في اتخاذ قرارات سحب امتيازات عدد من كبار الموظفين في وزاراتهم، من قبيل سيارات المصلحة، التي كانت تخصص لأغراض خاصة، فضلا عن توقيف عدد من الصفقات العمومية المبرمة أخيرا، كما كان الشأن عليه بالنسبة إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي لحسن الداودي، الذي رغم جو التفاهم الظاهر بينه وبين الكاتب العام للوزارة، إلا أنه أصر على سحب امتيازات بعض المديرين المركزيين داخل الوزارة، والحد من النفقات غير المبررة والباذحة داخل وزارته.من جهة أخرى، وطبقا لمنطوق للدستور، فإن للوزير المشرف على القطاع الحق في تغيير أطر وزارته، ولو تعلق الأمر بالكتاب العامين المعينين بظهير، إذا ما استدعت الضرورة ذلك، على أن يتم الأمر عن طريق اقتراح سحب تفويض التوقيع من الكاتب العام للوزارة على رئيس الحكومة، الذي يعد في الدستور رئيسا فعليا للإدارة العمومية، بما يعنيه ذلك من كونه يعد أكبر سلطة رئاسية لموظفي الدولة، وهو بذلك يمكنه اقتراح أسماء كتاب عامين جدد على المجلس الوزاري بعد التداول بشأنها في مجلس الحكومة.من جهة أخرى، ترى مصادر حكومية أن من شأن سحب تفويض التوقيع من بعض الكتاب العامين، عزلهم والتعجيل بعودتهم إلى مناصبهم السابقة في الوظيفة العمومية، والتعجيل بحركة تعيينات جديدة في هذه المناصب وهي الورقة التي يراهن عليها عدد من وزراء العدالة والتنمية الذين أبدوا تذمرا من تصرفات الجهات الادراية النافذة داخل الوزارات رغم حاجتهم الماسة إليها، وهم الذين لم يستوعبوا بعد كل ملفات تدبير الشأن العام والمسالك الوعرة للإدارة. رشيد باحة