fbpx
خاص

آيت الجيد لم يمت

كان مسالما ينبذ العنف وتعرض لمحاولة اختطاف قبل قتله تزامنا مع قيادته حوارا لتوحيد الفصائل

إعداد: حميد الأبيض (فاس) – تصوير: أحمد العلوي المراني

مات محمد آيت الجيد “بنعيسى” طالب قاعدي مغتال قبل ربع قرن، جسدا. لكن حبه منغرس في قلوب رفاقه التواقين وعائلته، إلى كشف حقيقة قتله من طرف طلبة إسلاميين بعضهم نال جزاءه، وآخرون في انتظار التحقيق أو مآل النقض، فيما تبقى الدولة مسؤولة عن إماطة اللثام عن جريمة سياسية بامتياز.
دمه لم يجف طالما أن الحقيقة شبه غائبةّ، وروحه ترفرف فوق رؤوس مشتبه فيهم تغيرت مراكزهم وكسبوا نفوذا ووظائف، وتلاحقهم وتزعج منامهم في انتظار حسم القضاء في تورطهم من عدمه، في اغتيال جسد وفكر طالب مسالم برع في تدبير الاختلاف بين الفصائل، وناضل لأجل القضية
دون عنف.

استشهد بنعيسى ولطخت دماؤه “جلابيب” قاتليه المتخفين وراء دين بريء من إراقتهم دماء زكية بغير حق، في جريمة سياسية لم يفك لغزها كاملا. جراح فراقه لم تندمل، وتوق رفاقه لحقيقة غائبة قائم، كما سعيهم لإنصاف عائلة شهيد مسالم مناضل من أجل القضية الطلابية، نبذ العنف وسقط ضحيته.

دموع من دم
يذرف كل فرد من عائلة آيت الجيد دموعه، كلما ذكر اسم قريبه محمد المعروف حركيا بلقب “بنعيسى”، قتل غدرا قبل ربع قرن من قبل طلبة إسلاميين اختاروا العنف بديلا في معركة سياسية غير متكافئة الموازين والقوى، عوض مقارعته فكريا لعلمهم المسبق ببراعته وحسن تدبيره الاختلاف.
قلوبهم دامية وجراحهم لم تندمل ولن تنفع دموع العين المنهمرة في تضميدها، في انتظار كشف حقيقة قتله ونيل قتلته المعروفين والمجهولين، جزاءهم. لا يريدون غير ذلك وإحقاق العدالة، هدفا ساميا لمعركتهم المتواصلة لجبر ضرر فقدانهم شابا مسالما مجدا في دراسته ومكافحا في نضاله الطلابي والحقوقي.
“كلما أعيد شريط الحادث المؤلم، أبكي بحرقة على فقدانه، إلى درجة استعصاء مواصلة سرد الوقائع كما عشتها وما زالت آثارها منغرسة في نفسيتي وصحتي” يقول الخمار الحديوي الناجي بأعجوبة من مصير رفيقه بنعيسى، والذي يعاني تبعات الاعتداء عليه، ويتناول دواء مدى حياته علاجا لآلام رأسه.
ويزيد “يلا ما خديتش الدوا ما نقدرش نكمل النهار”، ألم يلازمه مدى الحياة نتيجة إصابته في الرأس وبتعفن داخلي، كما النبش في حادث ما فتئ يعيد ترتيب وقائعه كلما استمع إليه شاهدا على إبادة حق رفيقه في الحياة، في كل الملفات الرائجة أو المحكومة في قضية بنعيسى، لدرجة أن “العملية أرهقتني”.
“يا ليتني كنت الميت وبنعيسى حيا، على الأقل سأرتاح بحشري في قبري” يؤكد الخمار بنبرة لا تخلو من تشاؤم، وحده العارف بسببه، بعدما أظناه الحضور للمحكمة وحكي قصة ندوبها الراسخة بنفسيته المهتزة، ليس فقط بقتل رفيقه أمام عينيه، بل بإعادة تشكيل صور مفزعة لا يستحملها من بقلبه ذرة رحمة.

ذكرى أليمة
“تعذبت باغتيال بنعيسى. لكن عذابي كبير ويزداد كلما حرك الملف. أعيش كوابيس حقيقية وباستمرار” يؤكد الخمار الحديوي الشاهد الوحيد بعد وفاة سائق سيارة أجرة صغيرة، كانا على متنها حينما هاجمهما طلبة إسلاميون زوال السبت 27 فبراير 1993 في طريقهما لحي ليراك بعد لقاء مع عميد كلية العلوم.
صور ومشاهد مؤلمة ترسخت في ذاكرته لجر رفيقه وتنافس مهاجميهما على ضربهما واختلافهما في طريقة تصفية بنعيسى قتلا أو ذبحا لنيل “جزاء الآخرة”، ورميه بلبنة (طوار)، أنسته فيما تلقاه جسده من ضربات باقية آلامها وتأثيرها عليه بعد 25 سنة على حادث يشغل الرأي العام، في انتظار كشف حقيقته.
وقائع موشومة في ذاكرته، حكاها ويحكيها بدقة متناهية وبالتفصيل الممل، مهما طلبت منه إعادة سردها من أي كان، دون أن يتناقض في كشفها اللهم من اختلاف في جزئيات قليلة وغير مؤثرة، ما يؤكد صدق شهادته حول ما عاينه من بشاعة قتل عمد من قبل أشخاص منزوعة من قلوبهم الرحمة والشفقة.
مات بنعيسى جسدا، لكنه حي بين رفاقه المصرين على كشف حقيقة قتله وفضح قتلته تفعيلا لقوله “يمكن أن تقتلني جسديا، لكنك لن تنجح في قتل فكري وقناعاتي” يروى الخمار عنه في تصريحه ل”الصباح”، مؤكدا “قوة أفكاره المستمدة من قناعاته العلمية والمادية وتمرسه النضالي في الساحة الطلابية والحقوقية.

تدبير الاختلاف

لم يكن اغتيال الطالب القاعدي محمد آيت الجيد (بنعيسى)، ابن دوار ﺗﺰﻛﻲ ﺃﺩﻭﻳﻠﻮﻝ ﺑﺈﻗﻠﻴﻢ ﻃﺎﻃﺎ، المزداد في 1964، صدفة، بل خطط للفتك به محاولة من خصومه بالفصائل الإسلامية، لإخماد إشعاعه وامتداده الفكري وريادته في قيادة الحركة الطلابية وحسن تدبير الاختلاف بين كل فصائل “أوطم”.
طيبوبته وحسن علاقته كانت جلية مع كل الفصائل القاعدية وغيرها كما رفاق الشهداء (الطليعة) وطلبة حزبي التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي، إذ “حرص على امتصاص غضب رفاقه وتهدئة روعهم ويحول دون أي اصطدام عنيف بينهم” يحكي عنه الخمار في شهادته يزكيها صديقه محمد الحمومي.
ويزيد الحمومي الذي عاشره طيلة سنوات قبل قتله، كاشفا خصال بنعيسى بقوله “كان مناضلا يساريا ملتزما يحسن تدبير الاختلاف بين كل الفصائل اليسارية، ويغلب ما هو إيجابي في التفاعل بينها بعيدا عن الحزازات والحسابات الضيقة”، ما جعله “يراكم الكثير من المكتسبات لفائدة الحركة الطلابية وفصائلها”.

إبادة فكر
اغتيل بنعيسى في فترة دقيقة عاشتها الساحة الجامعية بظهر المهراز، تزامنا مع فتحه نقاشات موسعة مع طلبة “ميثاقيين” كما وصفهم الحديوي، في لجنة الجامعة الانتقالية، للتداول في ورقة تنظيمية بهدف حل مشكل الحركة الطلابية والإعداد لعقد مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، بعد الحظر العملي عليه.
“كان مصرا على تجميع كل الفصائل الطلابية وتوحيد الرؤى والمواقف بينها، لكن جهات سعت لاغتيال فكره وطموحه المشروع بمن فيهم طلبة إسلاميون” يقول الخمار الذي عرفه منذ التحاقه بالجامعة في عام 1989 وكان له فضل في استقطابه وتعاطفه مع القاعديين، إذ كان “من الناس اللي جروني لتجربتهم”.
“مناضل قليل تلقى واحد فالتنظيم بالشكل ديالو” يصف رفيقه بنعيسى المغتال والشاهد على تدرج تعاطفه مع الطلبة القاعديين، مشيرا إلى قيادته عملية التوحيد والتجميع سيما في الفترة التي اعتقل فيها رفاقه، قبل أن ينال المصير نفسه بإيداعه بسجن عين قادوس طيلة 9 أشهر لم ينقطع فيها حبل تواصلهما.
حينئذ كان الخمار الحديوي طالبا بكلية الآداب ظهر المهراز، ومواظبا على زيارته للاستشارة كلما استعصى عليه أمر تنظيمي معين، كما لجأ إليه مرات لتوضيح وتبسيط أمور فكرية لأنه “موسوعة فكرية” و”اعتبرته أخا لي ألجأ إليه كلما استدعت الضرورة، دون أن يرد طلبا أو استشارة في وجهي”.
“رحمة الله عليه، كان مناضلا فذا في الحركة التقدمية الديمقراطية والطلابية يحب الجميع ويتعامل بهدوء مع المناضلين ويحسن تدبير الاختلاف بينهم” يقول عنه الحقوقي الحمومي، الذي كان له في حياته “سندا وصديقا حميما قل نظيره في زماننا. جالسنا بعضنا ونشطنا جميعا بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان”.

مناضل صنديد
برز اسم محمد آيت الجيد، بكلية الآداب ظهر المهراز، ضمن 39 طالبا موقوفا عقابا لهم على قيادتهم بعد سنة من التحاقه بها، تظاهرة 20 يناير 1988 ضد استشهاد زبيدة خليفة وعادل الأجرواي، قبل أن يرتفع سهمه في الساحة ويزداد اسمه إشعاعا عقب خوض الطلبة معركة مقاطعة الامتحانات بعد سنة.
راكم محمد آيت الجيد أصغر إخوته، المستقر مع أحدهم صاحب محل لبيع السجائر قرب نيابة التعليم ببن دباب تحول إلى مقهى، مسارا نضاليا وازاه سلوك “إنسان طيب محبوب لدى رفاقه، عاشرناه واستمتعنا بمجالسته وشاركناه نقاش مواضيع سياسية دون أن يغضب أو يرفض أي جدال” يقول الحمومي. ويضيف “عمله ونضاله مطبوعان بالجدية وروح المسؤولية، ويدافع عن قناعاته بشراسة فكرية، وكل همه رص الصف اليساري والديمقراطي” ما بوأه مكانة في الحركة الطلابية أدى ثمنها غاليا من حريته بعد اعتقاله وإيداعه السجن في يوليوز 1990 ليطلق سراحه بعد قضائه أكثر من ثمانية أشهر المحكوم بها.

نضال تلاميذي
قبل دخوله الجامعة، قاد بنعيسى حركات احتجاجية تلاميذية بثانوية ابن خلدون وكلفه ذلك غاليا، إذ تم نقله عقابا إلى ثانوية القرويين بعد سنة فقط قضاها بالأولى، تزامنا مع انتفاضة يناير 1984، دون أن يتراجع عن قيادة غضب تلاميذي.
علاقته بتلك الاحتجاجات، دفعت إدارة المؤسسة إلى إبعاده ورفاقه، ليلتحق بثانوية مولاي إدريس دون أن يكف عن النضال حتى ولو كلفه ذلك ضغط الإدارة على عائلته وانتقاله إلى ثانوية ابن الهيثم، حيث حصل على شهادة الباكلوريا، بعد اضطراره لتغيير أربع ثانويات في أقل من سنتين بسبب نشاطه.
موازاة مع نضاله في صفوف الحركة التلاميذية، نشط بنعيسى الذي تابع دراسته الابتدائية بمدرسة ابن الخطيب (مدرسة المعلمين)، في جمعيات وكسب عضوية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، إذ “كان من الجمعويين والمناضلين اليساريين الأوفياء، لم يتزحزح عن قناعاته رغم كل الظروف” يقول الحمومي.
هذا المسار النضالي لم يفتر بالتحاقه بالجامعة، بل قوى عضده بالتحاقه بالطلبة القاعديين التقدميين فكان عضوا بلجنة القسم للسنة الثانية، مشرفا على تنظيم التجمعات واللقاءات، دون أن يتأثر بما تعرض إليه من “تعذيب بمخافر الشرطة” بعد اعتقاله بشهادة تقرير أعدته منظمة العفو الدولية.
ولم تمنع مصادرة منحته، نشاطه كما ملاحقته من طرف الأمن وطلبة إسلاميين “أرهبهم حيا وأفزعهم شهيدا” بتعبير رفيق له استحضر ظروف تهريب جثته من مستشفى الغساني بعيدا، بعد تجمهر نحو 17 ألف طالب لتشييعه، ما زالوا يعيشون على أمل كشف حقيقة قتله كاملة من طرف الدولة.

ملف الشهيد ما زال يعد بالجديد

لم يطو ملف الشهيد بعد، وما زال يعد بالجديد، في انتظار حسم نتائج التحقيق التفصيلي مع عبد العالي حامي الدين القيادي بالعدالة والتنمية، ومآل الطعن في تبرئة أربعة من زملائه من تهم “القتل العمد والضرب والجرح بالسلاح”، بعد إدانة عضو بالعدل والإحسان بعشر سنوات حبسا يقضيها بسجن رأس الماء.
ويمثل حامي الدين صباح اليوم (الأربعاء) أمام قاضي التحقيق باستئنافية فاس للتحقيق معه بتهمة القتل العمد، بناء على شكاية مباشرة جديدة لدفاع آيت الجيد بعد حفظ شكايتين سابقتين، استند في تقديمها إلى الفصول 392 و393 و399 من القانون الجنائي، لما توفر من ركن مادي لإثبات الفعل وعلاقته بالقتل. وأوضح الحبيب حاجي، محامي العائلة، أن تلك الفصول الثلاثة دفعت الدفاع إلى تقديم الشكاية، طالما أنه “لم يسبق لحامي الدين أن توبع بتهمة القتل العمد الذي هو الفعل الحقيقي الذي ارتكبه، وسبق له أن توبع بتهمة المشاركة في مشاجرة أدت إلى وفاة شخص، تهمة تستند إلى وقائع غير واقعة القتل”.
وقال زميله جواد بنجلون التويمي، إن المحاضر المنجزة إبان وقوع الجريمة، لم تكن دقيقة ولم تدقق في حقيقة الحادث، اعتبارا لأن الأمر لا يتعلق بمشاجرة، بل بقتل عمد من قبل مجموعة من الطلبة الإسلاميين الذين أنزلوا بنعيسى والخمار من سيارة الأجرة الصغيرة واعتدوا عليهما بوسائل مختلفة.
وذكر المحامي بقول حامي الدين في محاضر الاستماع إليه، “أنا ورفاق” لتضليل العدالة وادعاء أنه قاعدي، عكس ما كان عليه الأمر من نشاطه في فصيل إسلامي، مشيرا إلى إصابته وطالب ثان، داخل الجامعة في مواجهة سابقة لحادث اعتراض سبيل بنعيسى والحديوي، في طريقهما إلى منزل بحي ليراك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى