مجتمع

شقـق 14 مليـونا…الرهـان الخاسـر

مشروع استهدف الفقراء ومحدودي الدخل واستفاد منه موظفون وميسورون وتعرضت شققه للتحايل

تفاءل فقراء البيضاء خيرا، قبيل الإعلان عن توقيع اتفاقية بين وزارة السكنى والتعمير وسياسة المدينة ومجموعة العمران، التزم فيها الطرفان بانجاز مشاريع سكنية منخفضة التكلفة (14 مليونا)، موجهة إلى الفقراء والمعوزين ومحدودي الدخل، من أجل محاربة السكن غير اللائق و”الكارينات”، قبل أن يتم تعديل المشروع بموجب اتفاقية داخلية بين ولاية البيضاء ومؤسسة العمران، أسفرت عن تخصيص النسخة الأولى من هذا المشروع لفائدة الموظفين، الذين تعذر عليهم اقتناء السكن الاقتصادي.

ما تزال أشغال البناء متواصلة في الشطر الثاني من مشروع “الأمان” الواقع “بسيدي مومن” بالبيضاء، الذي يشرف على إنجازه الاتحاد الوطني لصغار المنعشين العقاريين، طبقا لاتفاقية أبرمها مع مجموعة العمران، فيما انتهت أشغال الشطر الأول، وبدأ المستفيدون في تسلم شققهم.
وعاينت “الصباح” عددا من الأسر التي شرعت في الانتقال إلى السكن الجديد، وبعضها يقوم ببعض الإصلاحات الداخلية للشقق، التي تتراوح مساحتها بين 52 و74 مترا مربعا، والتي صبغت بطلاء أبيض ورمادي، يقول أحد العمال الذين التقتهم “الصباح”، “تضم هذه الشقق غرفتين وصالونا صغيرا وحماما ومرحاضا”.

الفقراء…الحلقة الأضعف

في الوقت الذي كانت الدولة تراهن على تقليص الفوارق الاجتماعية الكبيرة التي يعيشها مواطنو البيضاء، من خلال مشروع السكن منخفض التكلفة، الذي عول عليه في محاربة السكن الصفيحي، وتوفير بعض من شروط العيش الكريم لمعوزي البيضاء، خسرت الرهان، واستفاد من المشروع بعض موظفي الإدارة الترابية وعناصر من الوقاية المدنية وعناصر من القوات المساعدة أعوان سلطة.
يقول أحمد بوحميد، رئيس الاتحاد الوطني لصغار المنعشين العقاريين، في تصريح للصباح، إنه “طالما كان يطرح نقاش استفادة الفئات المعوزة من المشروع في اجتماعاتنا مع مؤسسة العمران، لكن كان هناك استثناء في البيضاء، لأن بعض الموظفين لم يتمكنوا من شراء السكن الاقتصادي، وربما هذا ما جعل الجهات المعنية تفوت لهم هذا المشروع”، مضيفا “هؤلاء الموظفون منهم من لا يتجاوز دخله 3 آلاف درهم، واستفادوا بموجب اتفاقية داخلية، موقعة بين ولاية البيضاء ومؤسسة العمران، وأظن أنها بادرة طيبة لأن المستفيدين بدورهم مواطنون مغاربة”.
وعاينت “الصباح” مشروع “الأمان” المقابل “لكاريان الرحامنة” بحي “سيدي مومن”، في الأيام الأولى التي شرع فيها المنعشون في تسليم شقق الشطر الأول، التي يبلغ عددها 200 شقة، والتقت بعض الأشخاص الذين جاؤوا للمرة الأولى رفقة زوجاتهم وأبنائهم لتفقد شققهم، بعدما أصبحت جاهزة للسكن، فيما البعض الآخر بدأ عملية الإصلاحات قبل الانتقال للسكن، بينما بعض العائلات استقرت لتوها بالشق الجديدة، رغم صوت المطارق والحفر والرافعات والعمال الذي يصم الآذان، المنبعث من الشقق المتاخمة بالشطر الثاني، الذي لم تنته الأشغال به بعد، والذي يضم بدوره مائتي شقة.وتبدو علامات السرور على السكان الجدد، الذين عبروا لـ”الصباح” عن فرحتهم الكبيرة جراء تسلم شققهم، إذ قال رجل في عقده الرابع “الشقق مزيانين، تخدمو مزيان، والثمن حتى هو مناسب”، مضيفا “هذا السكن مخصص لبعض موظفي الدولة، ودفعنا 140 ألف درهم مقابل الحصول عليه. هناك من اقترض من البنوك لتسديد المبلغ”.
ومن جهته قال “السي ادريس” وهو رجل يبدو في عقده الخامس، كان منهمكا في إصدار التعليمات للعمال الذين يعيدون تهيئة شقته الجديدة “بغيت ننقش الدار، وتشوفها المدام وتفرح، ونحس براسي عندي محال ديالي، لي خسرتها فيه هانية”، مؤكدا على أن المشروع خاص فقط بموظفي الدولة قائلا “هذا مشروع اقتصادي خاص بموظفي الدولة، ونشكر الوالي الذي غامر معنا وأدخل علينا البهجة”.

“من الخيمة خرج مايل”

واجه مشروع سكن 14 مليون عددا من العقبات، خصوصا في مرحلة الحصول على تراخيص البناء، وخلال عملية التوزيع والإنجاز، إذ كان من المفروض أن تنتهي الأشغال في جميع المشاريع خلال 2015، واستغرقت مدة الحصول على تراخيص الشروع في الإنجاز سنة ونصف سنة، فيما لم تتعد مدة البناء ورخص السكن والتسليم سنة واحدة.
واشتكى بوحميد من المساطر الإدارية المعقدة التي حالت دون إنجاز المشروع في وقته الطبيعي قائلا “نحن غير راضين على المسار الذي أخذه هذا المشروع، والمؤشرات المتوفرة الآن لا تشجع على خوض تجربة مماثلة”، متسائلا “كيف يعقل أن ننتظر سنة ونصف سنة من أجل الحصول على التراخيص من قبل مجلس المدينة، في حين أننا بصدد إنجاز مشروع غير ربحي موجه للفئات الهشة”.
ومن جهته أكد محمد الذهبي، نائب رئيس الاتحاد الوطني لصغار المنعشين العقاريين، أنهم التزموا بدفاتر التحملات، ولم تسجل عليهم أي ملاحظة، سوء من قبل وزارة السكنى أو مجلس المدينة، مسجلا بالمقابل تعقيدا كبيرا في المساطر الإدارية المتعلقة بهذا المشروع، قائلا “إن بعض المساطر لم تحل إلا بعد تدخل وزير السكنى ووالي البيضاء الأسبقين”، مشددا على الجهد الكبير الذي بذله المنعشون الصغار، من أجل تشكيل اتحاد وتأسيس الشركة التي أشرفت على المشروع، بما في ذلك من مغامرة أعضاء الاتحاد، والدخول في رهان يكاد أن يكون الربح من ورائه منعدما. وبالنسبة إلى شركات البناء التي أشرفت على تشييد هذه المشاريع بعدد من مدن المملكة، فإنها تتعهد في إطار اتفاقية توقعها مع مؤسسة العمران، على إنجاز هذه المشاريع السكنية “غير الربحية”، مقابل تمكينها من وعاء عقاري آخر بثمن تفضيلي، من أجل تعويض الأرباح، أو عبر تخصيص جزء من المشروع للسكن الاقتصادي أو المتوسط، يكون ثمنه مرتفعا مقارنة بالسكن الاجتماعي منخفض التكلفة، كما تعوض الشركات أرباحها من خلال إنشاء محلات تجارية بهذه المنشآت السكنية.
ويقول عمر الصفريوي، الذي أشرف على تشييد مشروع “السلام” بمقاطعة سيدي البرنوصي بالبيضاء، وكذلك مشروع “النعيم” الذي يقع قرب حي التشارك، واللذين يندرجان في إطار السكن منخفض التكلفة، “إن هذين المشروعين يضمان شققا مخصصة للسكن الاقتصادي والمتوسط، بالإضافة إلى محلات تجارية”، ويتراوح سعر هذه الشقق حسب الصفريوي بين 35 و40 مليون سنتيم، فيما يتراوح سعر المتر الواحد من المحلات التجارية بين 8 ألاف و9 ألاف درهم. ويضم مشروعا السلام والنعيم حسب الصفريوي أربعة طوابق، بالإضافة إلى محلات تجارية، فيما اشترطت العمران على صغار المنعشين العقاريين بمشروع الأمان ثلاثة طوابق فقط دون إنشاء محلات تجارية، وسمحت لهم بالمقابل بتخصيص 20 شقة للسكن الاقتصادي.
تحايل

تسود حالة تذمر واستياء وسط سكان “كاريان الرحامنة” المقابل لمشروع “الأمان”، وقال بعض القاطنين به لـ”الصباح” إنهم كانوا يمنون النفس أن يكونوا أول المستفيدين من هذا المشروع، خصوصا أن الأرض التي شيد بها، سبق لبعض المنتخبين أن قطع وعدا مع سكان “الكاريان” بأن يشيدوا لهم سكنا اجتماعيا هناك، وقال شاب في عقده الثالث “كانت فوق هاد الأرض بلاكة مكتوب فيها كاريان الرحامنة”.
ليس سكان “كاريان الرحامنة” وحدهم الذين ينتابهم القلق، إذ يسيطر الشعور نفسه على بعض أعضاء الشبكة المغربية من أجل السكن اللائق، إذ قال عضو بفرع الدار البيضاء رفض الكشف عن هويته “إن خروقات جمة اعترت هذه المشاريع”، مضيفا أن عددا من القواعد والمساطر لم تحترم، ومن بينها لوائح المستفيدين، التي قال إنها تضم أشخاصا أغنياء، ومنهم من استفاد من أكثر من شقة عن طريق تسجيلها باسم زوجته أو أحد أبنائه، بالإضافة إلى أن نسبة كبيرة من المستفيدين ليسوا أبناء المنطقة.
عصام الناصيري

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق