fbpx
حوادث

دراسة: التقييم المحايد المبكر وسيلة لحل الخلافات (1/2)

طارق زهير
طبيعة التزام الخبير المنتدب حبيا لفض منازعات الأطراف

ليس كل النزاعات، بل بالأحرى كل الخلافات، تستحق أن تعرض على القضاء خصوصا إذا كانت ذات تأثير على سمعة أطرافها، و صورتهم أمام زبنائهم و المتعاملين معها، لتلجأ في إطار تفادي تداول مشاكلها أمام قضاء يعتمد على  مبدأ العلنية،  إلى اختيار وسيلة بديلة للقضاء الرسمي، يكون مسلسلها متسم بالسرية، كما

 

هو الشأن عند انتدابها لأحد الخبراء المحايدين في إطار خبرة تكون ودية تدخل في زمرة التقييم الحيادي المبكر، أو ما يصطلح عليه أيضا بالتخمين.

يختلف مسلسل تكليف خبير في إطار ودي، عن الإجراءات القانونية التي  يعتمدها القاضي المعروض عليه نزاع ذو طيعة تقنية أو فنية، يستعصى عليه فهمها وضبطها، ينيط له مهمة الإجابة على تلك الأسئلة التقنية في شكل تقرير، يبقى للقاضي حق عدم الأخذ به وفقا للفصل 66 من قانون المسطرة المدنية،الذي كرس ما دأب عليه العمل القضائي بشكل متوا ثر في عدم إضفائه طابعا إلزاميا لرأي الخبير على القاضي، نذكر منها ذكرا و ليس حصرا القرار رقم 363 الصادر بتاريخ2 يوليوز 1975، و كذلك القرار رقم 2049 الصادر بتاريخ23 يونيو 2004،  مما يعني أن له الخيار بين الأخذ به أو استبعاده وإجراء خبرة ليتأتى له تكوين قناعة فيما يبت فيه.
ومن بين هذه الوسائل البديلة التي تلجأ إليها الأطراف المختلفة نجد الخبرة فهي كما أشرنا إلى ذلك أعلاه، قد تكون قضائية يأمر بها القاضي، أو بعيدة عن القضاء عندما تنتدب خبيرا تتفق على إسناد مهمة حل خلافهاإليه أو مساعدتها على ذلك
بيد أن تحليلنا هنا سينصب على الحالة التي يلجأ فيها أطراف اختلاف، إن لم نقل نزاع إلى شخص ثالث محايد من أجل أن تعرض عليه خلافها الذي يكتسي طابعا تقنيا، مما يفسح المجال لطرح أسئلة حول مشروعية هذا اللجوء، والطبيعة القانونية للخدمة التي سيقوم بها الخبير كشخص ثالث محايد، وهل يجب إخضاعه للشروط النظامية المنصوص عليها قانونا، والتي يجب توافرها في الخبير المعين إبان دعوى قضائية، وما هي آثار الرأي الذي يدلي به عند طلب أطراف النزاع ذلك، و التكييف القانوني الذي سيعطى له؟
أولا: الطابع الرضائي للجوء إلى الخبرة الودية
لقد اتفق الفقه المغربي و المقارن، سواء في مدرسته الجرمان لاتينية، أو الانجلوسكسونية، التي اعتبرت مهدا للوسائل البديلة مند الثمانينات، على أن فض الأطراف منازعتها خارج المحاكم عن طريق وسائل بديلة للقضاء يتميز بطابع الرضائية، باعتبار أن لجوء الأطراف إليها يتم باتفاقها معا على اختيار  أنسبها  لخلافها أو نزاعها.  
و برجوعنا إلى المادة 230 من ق ل ع، فإنه يمكن اعتبارها أساسا قانونيا، يسمح للأطراف بالاتفاق على عرض نقطة تقنية مستعصية الفهم عليها، أو يصعب عليها حلها لوحدها، على خبير من أجل مساعدتها على تقييمها، خصوصا، عندما ينسب أحد الأطراف للآخر خطأ ما فيما كلف به.
ويجدر بنا ونحن نقلب هذه الأفكار، أن نستحضر مقولة  لإدريس الضحاك عندما كان يتقلد منصب الرئيس الأول للمجلس  الأعلى – محكمة النقض حاليا- في إحدى الندوات وهو يتحدث عن الوسائل البديلة لفض النزاعات،اعتبر من خلالها على  أنها خرجت من الباب لتعود لنا من النافدة، فثقافتنا زاخرة بتراث متوارث عن أجدادنا، يثبت لجوئهم إلى مساعدة شخص ثالث محايد لتجاوز خلافاتهم و فض نزاعاتهم.

ليستشف مما سلف ، أن إرادة الأطراف حرة في اختيار الخبرة كوسيلة بديلة عن القضاء لفض نزاعاتها، و بالتالي  يكون اللجوء إليها مشروعا طالما كان موضوع الخلاف الذي يكون موضوع عقد ،أو اتفاق صلح لا يخالف النظام العام، و الدليل على ذلك،قياسا على الوساطة الاتفاقية، التي تعتبر بدورها كالخبرة حسب اتفاق الفقهاء وسيلة بديلة،  هو مقتضى  المادة 56-327 من القانون رقم 05-08 الذي نسخ، وعوض القسم الخامس من قانون المسطرة المدنية، ، الذي جعل كل ما يجوز في الصلح قانونا  يجوز اللجوء فيه إلى الوسائل البديلة، وبالتالي يكون جائزا شرعا وقانونا لجوء الأطراف إلى الخبير كشخص محايد لحل خلافها
ثانيا: طبيعة العمل الذي يقوم به الخبير كغير محايد
تماشيا مع أن اللجوء إلى الخبرة كوسيلة بديلة للقضاء  ذو طابع رضائي، فإن الأطراف حرة، في أن تلجأ إلى خبير قضائي محلف مقيد بجدول الخبراء الممسوك لدى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، أو إلى خبير في مادة ما مقيد فقط في جدول  هيأة المهنة التي ينتمي إليها، كطبيب متخصص في مجال ما، أو مهندس معماري ،أو معلوماتي، أو محاسب…، أو فقط إلى شخص استأنست فيه أطراف الخلاف قدرته على مساعدتها في تجاوز خلافها، و اتفقت على انتدابه لأجل ذلك.
و اعتبارا لكون هذا الخبير المختار والمتفق عليه، غير منتدب في إطار دعوى قضائية بمقتضى حكم تمهيدي أو أمر ولائي، أو استعجالي، فهل ما سيخلص إليه، سينهض إلى ما يصطلح عليه في  قانون المسطرة المدنية تقريرا حسب ما أورده المشرع المغربي في الفصول 60 و 63 و 64 من القانون نفسه أم سيبقى فقط  مجرد رأي ؟
فالخبير المفوض له بإرادة الأطراف إعطاء وجهة نظره في النزاع، لا يعدو أن يكون ما سيقدمه مجرد رأي فكري، يمكن تشبيهه بالرأي الاستشاري للمحامي، يعتمد فيه على حصيلته الأكاديمية ، المعرفية، والفنية، يكيف على أنه فقط مجرد مقدم خدمة و من تم يطرح إشكال حول طبيعة العمل الذي يقدمه، هل هو فقط مجرد  تقديم خدمة أم هو وكالة؟
في رأينا، إذا فوضت الأطراف للخبير بمقتضى اتفاق اختياره سلطة الفصل بينها، أو التزمت، مسبقا بما سيسفر عنها بحثه، فإن طبيعة تصرفه تأخذ شكل تصرفات الوكيل، أما في حالة ما إذا كلف بإعطاء رأي فقط فإن تصرف الخبير كغير محايد، يخضع في تنظيمه للإطار القانوني للوسائل البديلة، ولن يرق إلى درجة التصرف القانوني.
فهب مثلا أن شركاء في شركة تجارية أو مدنية، أو أعضاء جمعية أو تعاونية، اختلفوا حول الوضعية الحسابية و اتفقوا أو فوضوا لأحدهم اختيار خبير من أجل التدقيق في محاسبة الشركة، الجمعية أو التعاونية، وخلص هذا الخبير لإثبات وجود فعل من عدمه.
فإذا وقف على وجود فعل أو عدمه فإننا نكون أمام عقد خدمة، أما إذا تجاوز ذلك في البحث عن المسؤول عن فعل غير جائز تقنيا، أو غير مشروع قانونا فإننا نصبح أمام وكالة لنختم هذا الطرح بأن إيجاد فيصل بين طبيعة التزام الخبير المنتدب حبيا بين الأطراف لفض منازعتها كمقدم خدمة، و بين طبيعة التزامه كوكيل، كفيل بتحديد مدى خضوعه من عدمه للشروط النظامية الواجبة توفرها في الخبير القضائي

بقلم: ذ/طارق زهير: محام بهيأة الدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق