fbpx
ملف الصباح

“لهطة” الإحسان تجمع الفقراء والميسورين

فوضى موائد الإفطار المجانية تعيد النظر في ثقافة «الفابور»

“إيلا كاليك بنادم شد كول بسم الله وإيلا كاليك أرا كوليه نتشاور”، مقولة تحمل معاني عميقة في المجتمع المغربي، نظرا لأنها تحيل على نمط معين من الثقافة يكرس حب الأشياء المجانية والأخذ دون مقابل، ولعل ذلك ما يفسر نفسية المغربي في مسألة الإحسان، إذ لا يرفض المساعدات التي تعرض عليه كيفما كان نوعها ولو كان في غنى عنها.
يعتبر رمضان مناسبة لمثل هذه السلوكات الغريبة، التي تؤدي في غالب الأحيان إلى الاكتظاظ والتدافع والملاسنات، إما بسبب التخفيضات التي تسيل لعاب الأفراد أو المساعدات المجانية، في مشاهد تجسد “لهطة” المستفيدين.
إن ما يعرف بموائد الإحسان أو الرحمان في رمضان، التي تشرف عليها الجمعيات الخيرية وكذلك بعض المقاهي والمطاعم لتقديم وجبات الإفطار المجانية للصائمين، يلتقي في كنفها أناس من فئات اجتماعية مختلفة، فيهم العاطل وعابر السبيل إلى جانب الموظف والتاجر وغيرهم، كما أن هذه “اللهطة” توحد الفقراء والأغنياء، في شهر استثنائي يشهد هرولة وتدافعا بين المواطنين من أجل نيل حقهم من موائد الإحسان، التي تؤدي في بعض المرات إلى حوادث تخلف جرحى وقتلى.
وبخصوص الجذور الاجتماعية لـ “اللهطة”، قال محسن بنزاكور، عالم نفس اجتماعي، إن “اللهطة” لا يجب تعميمها على جميع المغاربة، فهي ليست خاصة بكل الفقراء، وتعود جذورها إلى فترة محددة خلال الحماية الفرنسية في نهاية القرن العشرين، إذ بدأت منذ ما يكمن أن نسميه عهد “البون”، والذي عرف فيه المغاربة نوعا من الجفاف، بالإضافة إلى سيطرة الفرنسيين على مواد التغذية، فقد كان المغربي يضطر للذهاب عند “القايد” من أجل أخذ ورقة تسمى “البون” بغرض تسلم المواد الغذائية.
وأضاف بنزاكور أن الخوف من فقدان التغذية كان مرضا لدى المغاربة، وترسخت في أذهانهم هذه العلاقة المتوترة مع التغذية، التي تظهر بشكل خيالي في أوقات الأزمات، وأصبحت بذلك سلوكا وقناعة لدى الأسر وانتقلت بين الأجيال.
وأوضح عالم النفس الاجتماعي أن مفهوم “الفابور” عند المغاربة يحظى بالخصوصية لأنهم يحبون المجانية، ولا توجد ثقافة المقابل، وتدخل في إطار التنشئة الاجتماعية، فغالبا ما نردد عبارات “علاش لا”، “جات من عند سيدي ربي”، وهي مسألة تربية وأخلاق، رهينة بتربية الإنسان على ما يسمى عزة النفس.
وأشار محسن بنزاكور إلى أن “اللهطة” اقتحمتها أبعاد أخرى مثل المعتقدات، واختلطت “اللهطة” بالبركة، إذ يسافر الناس من مدن بعيدة من أجل البركة، كما أن الفقر كذلك عامل وراء الظاهرة.
وعزا أستاذ علم الاجتماع سبب إقبال بعض الأغنياء على موائد الإحسان إلى مرض الشح، فلما يكون الفرد شحيحا فإن الأمر يصل إلى درجة المرض النفسي، ذلك أنه يوظف أي وسيلة للاغتناء المجاني، وإذا سنحت له فرصة الأخذ والاستفادة فإنه لا يتردد أبدا، وإذا تعلق الأمر بالعطاء فإنه يشعر بالهلع.
وذكر المتحدث نفسه، أن التنافس بين النساء حول موائد الإحسان في الأوساط الشعبية، يزيد من حدة المسألة، إذ أن الأمر لا يتعلق بالشح أو الفقر، وقد أثبتت دراسة ميدانية أن النساء يعانين بسبب الفراغ، وتشكل هذه الموائد وسيلة لإثبات الذات.
مصطفى شاكري

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى