fbpx
حوادث

أمن عين السبع… ليلة الحرب على المخدرات

حملات أمنية شاركت فيها السلطة المحلية طهرت أحياء المنطقة من المروجين

إنجاز : مصطفى لطفي (تصوير: أحمد جرفي)

ليس من السهل تسيير منطقة أمنية من قبيل الحي المحمدي عين السبع، فالأمر يتطلب مجهودات كبيرة، وخيرة العناصر الأمنية وضباطا من كفاءات عالية، فهي أكبر منطقة أمنية بالبيضاء، ولها خصوصيات عديدة، إذ توصف بقلب البيضاء الاقتصادي وتعد تاريخيا عاصمة” الطبقة العاملة” المغربية، ومعقل الأحياء الصفيحية الشهيرة، من بينها “كاريان سنطرال ” قبل زواله.
لهذا فاختيار المديرية العامة للأمن الوطني لمسؤوليها الأمنيين، سواء تعلق الأمر برئيس الأمن والعميد المركزي ورئيس الشرطة القضائية يخضع لمعايير صارمة، مبنية على الكفاءة والمهنية، والدليل أن أغلب مسؤوليها السابقين يتبوؤون حاليا مناصب ومسؤوليات كبيرة داخل جهاز الأمن، على رأسهم عزيز كمال الإدريسي، رئيس المصلحة الولائية للشرطة القضائية، الذي كان رئيسا لشرطتها القضائية.

لم يكن اختيار ليلة ذكرى المولد النبوي للإعلان عن حملة أمنية بعدد من أحياء الحي المحمدي وعين السبع اعتباطيا، فهذه المناسبة الدينية، تشهد رواجا اقتصاديا غير مألوف بالأسواق والمؤسسات التجارية الشهيرة بالمنطقة، والذي قد يستمر إلى حدود منتصف الليل، وهو المعطى الذي يحرض اللصوص وأفراد العصابات على استهداف المواطنين والتجار، ينضاف إلى ذلك أن هذه المناسبة تشهد إغلاق الحانات والملاهي، وهي فرصة يستغلها مروجو المخدرات والخمور “الكرابة” للزيادة في نشاطهم الإجرامي، ما يستدعي يقظة أمنية عالية المستوى لردع أي انحراف قد يولد للمواطنين إحساسا باللا أمن.

بداية الحملة
كانت الساعة تشير إلى السابعة والنصف مساء، داخل مقر المنطقة الأمنية اصطف العشرات من عناصر الشرطة القضائية والدراجين بشكل منظم استعدادا لانطلاق الحملة الأمنية، بعدها بلحظات حلت عناصر الفرقة الولائية للشرطة القضائية، التي تقرر مشاركتها لضمان نجاعة أمنية أكبر.
تكلف حليم هشام العميد المركزي لمنطقة عين السبع الحي المحمدي، شخصيا بالإشراف على هذه الحملة بمساعدة عبد العالي المكتاني نائب رئيس الشرطة القضائية. استدعى العميد المركزي عددا من الضباط لوضع خطة محكمة لضمان نجاح هذه الحملة، قدم لهم التفاصيل الكبيرة والصغيرة، وبعد شرح مستفيض، أعلن عن ساعة الصفر. تزامن تقديم العميد المركزي حليم لتعليماته، مع التوصل بإخبارية حول شخص يروج المخدرات بشكل علني بشارع علي يعتة، على الفور، أعطيت تعليمات بانتقال عناصر من الشرطة إلى الشارع المذكور واعتقال المروج، على أن تلتحق بهم باقي العناصر الأمينة.
نفذت العملية بسرعة كبيرة، لدرجة أن المروج فوجئ بالشرطة تحاصره، متلبسا بحيازة كيس بلاستيكي به 11 قطعة من مخدر الشيرا معدة للبيع، إذ تبين بعد تنقيطه أنه غادر السجن حديثا وله 11 سابقة. أقر العميد المركزي حليم لـ”الصباح” أن من أولوياتهم محاربة “القرقوبي”، نظرا لما يشكله مدمنوه من خطر كبير على حياة المواطنين، والذي قد يصل إلى حد القتل، لهذا يتم التعامل بصرامة مع كل مروج له أو مدمن عليه، ويضرب حليم مثال الصرامة الأمنية، بتراجع ظاهرة “العربدة” بعدد من الأحياء من قبيل الأمان والمشروع والتقدم، من قبل “مقرقبين”، والتي تنتهي بتهشيم زجاج السيارات وتخريب الممتلكات الخاصة للمواطنين والاعتداء عليهم، إذ تم إصدار تعليمات صارمة باعتقال المتورطين في ظرف قياسي ولو تطلب الأمر تجنيد أغلب الفرق الأمينة، فأدرك “المعربدون” أنهم معتقلون لا محالة، فصاروا يتفادون إثارة الفوضى.

البوليس والقياد… الحرب على الجريمة
انتقلت الفرق الأمنية إلى حي “كاسطور”، وبالضبط قرب ملعب “الطاس” الشهير، فتوزعت عناصرها بين أزقته وأحيائه، لفرض الخناق على المنحرفين ومنعهم من الفرار.
أثار هذا الإنزال الأمني فضول سكان المنطقة، إذ غادر أغلبهم منازلهم لمتابعة التدخلات الأمنية عن بعد. واصلت الحملة مسارها إلى أن اقتربت من مسجد شهير، بجوانبه، كان قائد مقاطعة درب مولاي الشريف، رفقة قائدتي مقاطعتي الصخور السوداء والنخيل، يشرفون بدورهم، على حملات تطهيرية، رفقة أعوان السلطة والقوات المساعدة.
تجند الجميع، شرطة وقوات مساعدة وأعوان سلطة، في فرقة موحدة، وفي تنسيق غير مسبوق، انخرطوا في حملة أمنية مشتركة، أبدت فيها القائدتان حماسا كبيرا، إذ كانتا تستفسران أي مشتبه فيه، وتأمران باعتقاله إذا حامت الشكوك حوله، تحت أنظار قائد مقاطعة درب مولاي شريف والعميد المركزي حليم. اخترقت الفرقة المشتركة فضاء لمحلات تجارية، واستهدفت عددا من المشتبه فيهم، من بينهم شاب، اعترض في البداية على اعتقاله، فرد عليه قريب له “ما تخفاش، غير سير معاهم راه خوتك هاذو”.
واصلت الفرقة الأمنية المشتركة مسيرتها، هذه المرة بالفضاء السابق لكاريان “سنطرال”، إذ صادف وجودها شخص يعربد حاملا قطعة خشبية، تمكن عنصران من الشرطة من اعتقاله، قبل أن يصرخ محتجا ” الباشا ريب ليا براكتي واخا المحكمة ما حكماتش بالإفراغ، أنا وليت متشرد مع أولادي”، تمت تهدئته، وطلب منه الصعود إلى سيارة الشرطة. في البداية اعترض، قبل أن يتقبل ذلك على مضض.

صيد ثمين
يبقى الصيد الثمين خلال هذه الحملة، اعتقال شاب متلبس بترويج الأقراص المهلوسة بزقاق مظلم بحي كاسطور، وخلال تفتيشه تم حجز 32 قرصا من نوع “ترامادول” و”زيبام” شديدتي المفعول، تبين بعد تنقيطه أنه من ذوي السوابق.
تزامن اعتقال المروج مع توصل العميد المركزي بمعلومة عن اعتقال مروج آخر بمحطة القطار عين السبع، والتي صارت الوجهة المفضلة لمهربي المخدرات القادمة من الشمال، ما تطلب تعزيز الحضور الأمني فيها، وكانت النتائج جد إيجابية، اعتقال المتورطين وحجز كميات كبيرة منها.
وصفت الحملة بحي “كاسطور” بالناجحة، فاصدر العميد المركزي حليم تعليماته بالانتقال إلى درب مولاي شريف الشهير. كانت البداية بحديقة مجاورة لمقر المقاطعة. فاجأت عناصر الشرطة شابا وفتاة، بدا عليهما ارتباك كبير، خصوصا بعد أن حجزت لديهما ورقة “النيبرو” ما يكشف أنهما كان يتحوزان قطعة من المخدرات، تخلصا منها قبل وصول الشرطة. كاد الشاب أن يدخل في نوبة بكاء، إذ استعطف الأمنيين للاتصال بوالدته، فأجابه شرطي “إلا كنتي ما داير والو ما عندكش علاش تخاف، نديرو معاك غير تحقيق هوية وتمشي لدراكم”. فهم الشاب الرسالة، وصعد بهدوء رفقة صديقته سيارة الشرطة.
انتشرت العناصر الأمنية بأزقة “بلوك الرياض”، بتنسيق مع رئيس الدائرة الأمنية مولاي الشريف وعناصره، كانت البداية بمداهمة محل للألعاب، أخضع رواده لتفتيش دقيق، كان سلبيا، في حين واصلت فرق أخرى توغلها داخل باقي الأحياء، انتهت باعتقال شباب متلبسين بحيازة قطع من الشيرا. أخضعت عناصر الشرطة جميع من كان بالحي لتفتيش دقيق، فصدرت تعليمات بنقل الموقوفين إلى مقر الدائرة الأمنية درب مولاي الشريف لإخضاعهم لتحقيق الهوية.

حي المشروع …عالم فريد
ضرب حليم العميد المركزي موعدا مع جميع الفرق الأمنية قرب مستشفى محمد الخامس، بعد أن أتى الدور على حي “المشروع”. قبل انطلاق الحملة عقد حليم اجتماعا مصغرا مع مسؤولي الفرق الأمنية، خلص إلى انتشار جميع الفرق على شكل “كماشة” داخل حي المشروع، لإجهاض أي محاولة فرار للمشتبه فيهم.
تم اقتحام الحي عبر ممر يؤدي إلى عمارات شاهقة أنيقة، لكنها تكشف عن سوء هندسة واكتظاظ كبير بين سكانها. يعم المكان هدوء غير معهود بالأحياء الشعبية، لكن بمجرد تجاوزها يرتفع صخب وضجيج العشرات من أبناء الحي، متوزعين في مجموعات، والكل يتجاذب أطراف الحديث.
أثار الحضور الأمني فضول سكان الحي، خصوصا مع سقوط الموقوفين، أولهم بائع للسجائر بالتقسيط، حجزت لديه قطعة من مخدر الشيرا أثناء تفتيشه. حاول الجيران والنساء استعطاف العناصر الأمنية واستغلال بكاء ابنته لإخلاء سبيله، دون جدوى، فاستجمع الموقوف قواه مخاطبا ابنته “بلا ما تبكي، غادي نمشي معاهم ونرجع”.
اشتبه شرطي بشاب، فطلب منه بطاقته الوطنية، تظاهر الشاب بالبحث عنها، فركض هاربا، فتحول المكان إلى فضاء لسباق السرعة، فقد فيه الشرطي والمشتبه فيه توازنهما وسقطا على الأرض، تمكن إثرها الشاب من الفرار مستغلا إصابة الشرطي برضوض لحسن الحظ كانت طفيفة.
واصلت الحملة مسيرتها لتشمل سوق السلام، فاقتحمت العناصر الأمنية “قيسارية” شهيرة به، انتهت بضبط عدد من الشباب في وضع مشبوه، أخضعوا لتفتيش، انتهى بحجز مخدرات لدى عدد منهم، تم اعتقالهم في الحال.
لحظة مغادرة “القيسارية” انتشرت العشرات من العربات المجرورة بسوق عشوائي، إذ كشف مصدر أن السلطات المحلية بتنسيق مع الأمن يحجزان فجر كل يوم 85 عربة، تفاديا لأي مواجهة مع الباعة المتجولين، لكن في اليوم الموالي يتضاعف عددها في تحد كبير للسلطة والأمن.

مسؤوليات جسيمة

بمكتبه بمقر أمن الحي المحمدي عين السبع، ما زال الحبيب خراف، رئيس المنطقة منهمكا في عمله، رغم أن الساعة تتجاوز السابعة مساء، يطلع على التقارير ويوقع عليها، ويصدر تعليمات لمرؤوسيه بعد استشارته في أمر يهم أمن المنطقة.
اعتاد خراف على هذا الوضع، فتسيير منطقة أمنية بقيمة عين السبع الحي المحمدي ليس بالسهل، إذ يتطلب مجهودات وتضحيات من قبل جميع عناصر الأمن والشرطة.
واعترف أن الحضور الأمني بأهم شوارع وأحياء المنطقة يبقى الرهان الأكبر، لأن المواطنين حسب قوله، لا يهمهم تفكيك العصابات واعتقال الجانحين، رغم المجهودات الكبيرة التي تبذل في هذه العمليات، لأنها تتم بعيدا عن أعينهم، بقدر ما يهمهم مشاهدة عناصر الأمن بالشارع العام، لهذا فهم تحت إكراه محاربة الجريمة، وفي الوقت نفسه تحسيس المواطنين أنهم بأمان.

تطغى بالمنطقة جرائم السرقات بالعنف والخطف، يؤكد رئيس المنطقة الأمنية، قبل أن يستدرك أن الاعتقالات والأبحاث كشفت أن المتورطين فيها يقطنون بمناطق أمنية أخرى، من بينهم المرحلون من “كاريان سنطرال” إلى منطقة الهراويين، إذ ما زال للعديد منهم حنين إلى الحي، وقبل المغادرة يتورطون في عدد من السرقات.
إلى جانب محاربة الجريمة، يجد الأمنيون بالمنطقة أنفسهم أمام تحديات أخرى، فالمنطقة تضم المحكمة الزجرية الابتدائية ومحكمة الاستئناف وسجن عكاشة، ما يلزمهم بذل مجهودات كبيرة لتوفير الحماية الأمنية لهذه المؤسسات الثلاث، إضافة إلى المسؤولية الكبيرة التي تسند لهم في نقل المعتقلين من عكاشة إلى هاتين المحكمتين وهي إجراءات في غاية الصعوبة وتحملهم مسؤولية جسيمة في حال حدث تقصير فيها.
يقر الحبيب خراف بتراجع قضايا تهريب المخدرات بسجن عكاشة بعد إنهاء عهد “القفة”، إذ قبل تفعيل هذا القرار، كان يحال يوميا على الشرطة القضائية العشرات من أقارب المعتقلين ضبطوا متلبسين، وهو ما كان يتطلب من عناصرها بذل مجهودات كبيرة والإسراع بإنجاز محاضر المتابعين للتفرغ لقضايا أخرى جديدة.
ولا تخرج حركة السير والجولان بالمنطقة عن أهمية المسؤول الأول لعين السبع الحي المحمدي، فهذه المنطقة بوابة العبور نحو وسط المدينة من كل مناطق البيضاء والقادمين من الرباط ومدن الشمال، إضافة إلى وجود منطقة صناعية كبيرة، يتنقل إليها يوميا مئات العمال من كل المناطق البيضاوية، ما يجعلها تشهد اكتظاظا غير متوقع في حركة السير بأغلب شوارعها الرئيسية خصوصا تلك القريبة من ميناء البيضاء، والتي تساهم فيها الشاحنات الكبرى، وهذا الاختبار نجحت فيه شرطة المرور، وضمنت مرورا سلسا للسيارات والشاحنات، بطريقة تنم عن كفاءة كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى