fbpx
ملف الصباح

“اللهطة” … البــاحــثـون عـن “العـبـاسـيـة”

عائلات لجأت إلى تخزين السلع خوفا من المجاعة وتسابقت على المجانية في الرياضة والسينما
“للهطة” جذور تاريخية ترتبط بالأزمات الاجتماعية التي عرفها المغرب في عهود قديمة، وساهمت في المساس ببنية المجتمع اقتصاديا واجتماعيا، وأطلق عليها في فترات من التاريخ أسماء عديدة، مثل “عام الجوع”، و”عام الطاعون”، و”عام بوكليب”، و”عام البون”… في إشارة لسنوات شهد فيها المغرب ضعفا في المحاصيل الزراعية أدى إلى انتشار الأوبئة والمجاعة.
ويروي المؤرخون أن تاريخ المغرب شهد سنوات من القحط والجوع والأزمات الاجتماعية والاقتصادية، أدت إلى هلاك مئات الآلاف، ففي منتصف القرن 18 عرف المغرب كابوسا اجتماعيا قال عنه أحد المؤرخين ب”إن المغاربة باعوا أبناءهم لإخماد نار الجوع، وكان أول عهد للعديد منهم بالسطو والتسول والبغاء، واضطر آخرون لافتراس الكلاب والقطط والخنازير”.
وفي سنة 1766 لجأ السلطان سيدي محمد بن عبد الله إلى تصدير القمح لفرنسا وإسبانيا والبرتغال، واستمر مخطط التصدير حتى سنة 1774، وبموازاة مع ذلك ارتفع ثمنه بالمغرب ثلاث مرات، تلاه جفاف مس عدة مناطق في 1779 و1782، ثم اجتياح الجراد جل مناطق المغرب، مما جعل المغاربة يعيشون على نباتات برية، وقضى العديد منهم حياته جوعا واضطر آخرون لتناول لحم الخنزير وبعض النباتات مرة المذاق.
ومن أهم الأحداث التي ظلت راسخة في ذهنية المغاربة ما سمي ب”عام البون”، ففي 1944 شكل المغرب الجبهة الخلفية للحرب العالمية، ووجه كل منتجاته إلى فرنسا من مواد غذائية، ومعدنية، ومواد الصناعة التقليدية، وأدى هذا الاستنزاف إلى نتائج كارثية على اقتصاد البلاد وعلى المجتمع، وعانى السكان من المصادرات والجوع والفقر، حسب ما روى المؤرخون.
ولمواجهة هذه الظرفية اتخذت عدة إجراءات من قبل الإدارة الاستعمارية، فقد نهجت أسلوبا جديدا في التعامل مع أزمة الغذاء، وفرضت نظاما جديدا لتوزيع المواد الاستهلاكية الأساسية عرف’’ بنظام التموين’’، إذ أصبحت المواد تقتنى بأوراق الإذن وذلك بشرائها، وسميت تلك الأوراق ‘’البون’’.
وتولت البلديات عملية التوزيع، فوضعت دفاتر خاصة أو بطاقات التموين ذات ألوان وأرقام، منها ما يتعلق بالزيت والبيض والسكر والشاي والقهوة والصابون والخضر، والوقود، ومنها ما يخص الأثواب والألبسة على اختلافها، وكان التموين يوزع على المتاجر حسب الأحياء والدروب. وكانت إدارة التموين تغير لون البطاقة كل ستة أشهر، وكل تقطيع يصلح لاقتناء مادة واحدة.
وكان ل”عام البون” تأثير في سلوك المغاربة، فلجأت العائلات إلى تخزين السلع والمواد الغذائية، تحسبا للمجاعة أو ظروف اقتصادية تضطرها إلى بيع ممتلكاتها، وأصبحت تفضل الحصول على سلع مجانية أو ما أصبح يطلق عليها اسم “العباسية” التي ترتبط بتلك “الإسفنجة” الصغيرة التي يمنحها الإسفنجي مجانا، ثم تطور المفهوم وامتد إلى الرياضة والفن والاقتصاد، فالمتفرجون في مباريات كرة القدم ينتظرون “العباسية” (الربع الأخير) من المباراة لولوج الملعب مجانا، ومحبو السينما يتلهفون لدخول القاعة خلال عشر دقائق الأخيرة.
ولم تختف “العباسية” لكنها تجددت في السنين الأخيرة وارتبطت ب”اللهطة” للاستفادة من التخفيضات في الملابس والسلع والتسابق على المواد الغذائية في المناسبات الدينية، تماما مثل “عام البون”، وإن في صورة أخرى.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى