خاص

الخطأ القضائي … الدستـرة إقـرار بمسؤوليـة الدولـة

تشريعات ذهبت إلى اعتماد نظرية المخاطر التي لا تستلزم إثبات الخطأ
لقد أقرت بعض التشريعات أحقية المتضرر من اعتقال احتياطي ثبتت براءته من التهمة المنسوبة له، في الحصول على تعويض عن مدة اعتقاله علاوة على الضرر المعنوي اللاحق به جراء ذلك، ومن تلك التشريعات ما أقره المشرع الفرنسي من خلال القانون رقم 643 الصادر في 17 يوليوز 1970 في المادتين 149 و 150 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي، الذي نص على حق التعويض لمن كان محلا للاعتقال الاحتياطي، إذا انتهى التحقيق إلى قرار بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية أو قضى بالبراءة بحكم بات.
وأقرت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم حديث لها اختصاصها في نظر دعوى المسؤولية عن الخطأ القضائي المتمثل في الاعتقال الاحتياطي، غير أنها أوجبت لقيام المسؤولية إثبات ركن الخطأ للإقرار بهذه المسؤولية، خلافا لما أقرته بعض التشريعات من اعتماد نظرية المخاطر، التي لا تستلزم إثبات الخطأ بحكم أنها أسندت البت في التعويض للجنة إدارية كما هو الحال في فرنسا مثلا، ذلك أن اكتساب قرار الاعتقال الاحتياطي صبغة الخطأ أو التعسف المرتب للمساءلة القانونية، يتطلب إثبات براءة المعتقل احتياطيا من المنسوب إليه بمقتضى حكم قضائي بات، يثبت بصفة نهائية وقطعية براءة الشخص المتابع.
كما أن محكمة النقض، المجلس الأعلى سابقا أيدت قرارا صادرا عن المحكمة الإدارية بالبيضاء، قضى بمنح تعويض لمحكوم عليه بالمؤبد عن جريمة القتل من قبل استئنافية الجديدة خطأ، قضى منها 10 سنوات في السجن ليظهر أنه ليس الفاعل الحقيقي للجريمة، وبفضل دعوى المراجعة ألغى المجلس الأعلى قرار الإدانة وحكم له بالبراءة.
الحكم بالبراءة مكن المتضرر من رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية لأجل المطالبة بتعويض من الدولة باعتبارها مسؤولة عن الخطأ القضائي الذي نجمت عنه إدانته. اجتهاد المحكمة في هذا الإطار سار في اتجاه منح المتضرر تعويضا ماليا عن الخطأ الناجم وحددته في مليون و500 ألف درهم، واعتبرت في تعليلها أنه، إن كان مبدأ عدم مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية هو المعمول به في جل التشريعات ومن بينها التشريع المغربي، فإن هذا المبدأ يظل مع ذلك خاضعا لبعض الاستثناءات، إذ يتدخل المشرع ويقرر المسؤولية استثناء في حالات معينة منصوص عليها في المادة 566 من قانون المسطرة الجنائية التي تحدد الحالات التي تعطي الحق في طلب مراجعة الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة في جناية أو جنحة لتدارك خطأ واقعي تضرر منه شخص حكم عليه من أجل جناية أو جنحة، ويترتب على الحكم ببراءة المحكوم عليه في الحالات المنصوص عليها أحقيته في الحصول على تعويض من الدولة، وحيث يستفاد مما ذكر أن مساءلة الدولة بالتعويض تتحقق كلما ثبت وقوع خطأ قضائي تسبب في ضرر للمحكوم عليه، ومعنى ذلك أن المسؤولية في هذه الحالة تقوم على ركنين فقط هما الضرر وعلاقة السببية بين نشاط الإدارة ذاته وبين الضرر الحاصل، بحيث لا يلزم طالب التعويض بإثبات أن صدور الحكم الملغى يرجع إلى خطأ القضاء.
واعتبرت المحكمة في تعليلها أنه نظرا لجسامة الأضرار المادية اللاحقة بالمدعي والمتمثلة على الخصوص في فقده بدون سبب مشروع لحريته وهي من الحقوق الطبيعية التي حرصت الدساتير المتعاقبة على صيانتها وعدم المساس بها، وفي حرمانه كذلك من كسب عيشه ورعاية مستقبله، ومستقبل أسرته وكذا الأضرار المعنوية المتمثلة في الألم النفسي الناتج عن اعتقاله طيلة المدة المذكورة، ولما للمحكمة من سلطة تقديرية في هذا المجال تحدد التعويض بأداء المدعى عليها الدولة المغربية لفائدة المدعي مبلغ مليون وخمسمائة ألف درهم كتعويض، وتحميل الخزينة العامة الصائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق