حوادث

عدم رجعية القوانين قاعدة دستورية

الوكالات العرفية الموجودة والمعمول بها أصبحت مطوقة ومعدودة لا باطلة

(2/2)

بقلم: مبارك السباغي *

كانت فرنسا من أسبق الدول إلى مبدأ عدم سريان القانون على الماضي، حيث نصت المادة الثانية من القانون المدني الفرنسي على أنه : “لا يسري القانون إلا على المستقبل. فليس له أثر رجعي”.
لكن في حالة النص الصريح على الرجعية، فالقانون الجديد يسري على الماضي، ويعمل بالنص حتى ولو أخل بالحق المكتسب. وهذه حالة نادرة جدا. ولنكون أكثر توضيحا نقول إن القانون 69 – 16، له أثر مباشر تطبق قواعده فور العمل به، وتبعا لذلك يتم التوقيف عن العمل بالقوانين القديمة، أي عدم قبول تحرير وكالات عرفية والعمل بها بعد 14 – 09 – 2017.
وتأسيسا على ذلك، إذا امتنع المشرع عن النص صراحة على الرجعية، فإنه ليس بإمكان القضاة أن يفسروا تلك الرجعية ضمنيا أو عن طريق الاجتهاد.
إن القضاء يظل مرتبطا بنصوص القانون، وليس له أن يبحث إذا كان القانون رجعيا أم غير رجعي، فدوره كما هو محدد، يقتصر على تفسير ما هو في منزلة الرجعية الصريحة بغية إبعاده من مجال التطبيق.
عندما يتم إبرام التزام صحيح بمقتضى وكالة عرفية طبقا لأحكام القانون القائم وقت هذا الالتزام، ثم بعد أن تحوز الوكيل بالوكالة أو شرع في العمل بها، يصدر قانون جديد يتطلب الكتابة الرسمية في إبرام مثل هذا الالتزام، فإن هذا القانون الجديد لا تسري أحكامه المتممة للمادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية، على ذلك الالتزام العرفي الذي تم في ظل القانون القديم.
ففي كل الأحوال، سواء في ما يتعلق بتكوين المراكز القانونية، وآثارها، أو انقضاء هذه المراكز مع آثارها، أم الأمل في تكوينها بمقتضى الوكالة العرفية، يظل القانون الجديد محافظا على نفاذه المباشر دون أن يتعدى الحدود التي تم فيها سريان القانون القديم، في مدة غير مدته.
فالقانون الجديد الناسخ أو المعدل أو المتمم له، له مستقبله وللقانون القديم ماضيه الذي يحتفظ به. فعندما ينص القانون الجديد على تغيير شكل العقد العرفي أو شكل الوكالة العرفية، أو ينص على تغيير قواعد الإجراءات، فإن هذا القانون ليس له أن يمس العقود والوكالات العرفية التي تم انعقادها قبل 14 شتنبر 2017. كما ليس له أن يمس آثارها غير المنقضية، ذلك لأنه ليس بالإمكان إجبار المتصرف أو الموكل على إعادة تصرفاته التي تمت صحيحة، والوكيل بإعادة ما بدأ فيه أو ما ينوي البدء فيه. وحتى وإن بقي هذا الإجراء متواصلا، فإنه لا يخضع للقانون الجديد إلا ما تبقى منه، أي ذلك الجزء المتبقي الذي صادف حلول القانون الجديد، من ضرورة إبرام عقود رسمية جديدة أو تكميلية أو معدلة، أو إبرام وكالات رسمية أو تفويضات رسمية لتصرفات جديدة يحكمها القانون الجديد.
فلا يمكن للقانون الجديد أن يرجع أثناء تطبيقه على حالات تمت قبله منذ عشرات السنين أو منذ عقود، إنما لا يسمح له بالتطبيق إلا على الحالات التي نشأت معه أو بعد نفاذه.
هذه الظاهرة، تعرف بظاهرة سريان القانون القديم التي أطلق عليها الفقه الحديث اسم: حركية القانون القديم اللاحقة ” La postactivité de la loi ancienne “.
والدليل على أن نية المشرع تقصد الحاضر والمستقبل، وأن لقانونه رقم 69 – 16 أثر فوري هو عدم إرجاء تطبيقه إلى أمد مسمى. موقف المشرع واضح وهدفه هو الحد من ظاهرة الزور واستعماله بتحميل المسؤولية للعدول والموثقين والمحامين أثناء تحرير الوكالات الخاصة والعامة التي لها ارتباط بالمادة الرابعة من مدونة الحقوق العينية. يعني أن الوكالات العرفية الموجودة والمعمول بها أصبحت مطوقة ومعدودة لا باطلة، سيأتي أجلها وتزول لأنها وسيلة أو ورقة مآلها الزوال خلافا للحقوق العينية الأصلية التي هي أبدية.

*محافظ ممتاز سابقا وموثق حاليا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق