fbpx
خاص

قصة عيد تحول من مارس إلى نونبر

شاءت الظروف أن يعود السلطان الراحل محمد الخامس من منفاه يوم 16 نونبر 1955 بعد سنتين قضاهما فيه، ولم يمض سوى يومين فقط، ليلقي خطابا في 18 نونبر لمناسبة الذكرى 28 لجلوسه على العرش.
وبشر السلطان شعبه بالاستقلال الذي لم يحصل عليه المغرب رسميا، ولم تعترف فرنسا به بعد، إذ كل ما في حوزة المغاربة إلى حدود تلك اللحظة هو اتفاق “لا سين سان كلو” الذي وقعه محمد الخامس مع أنطوان بيناي وزير الخارجية الفرنسي، يوم 6 نونبر 1955، الذي قضى أنه في انتظار رجوع السلطان إلى الرباط بتوافق مع الحكومة الفرنسية، يفوض مجلس العرش الذي تم تأسيسه قبل أشهر مهمة تسيير شؤون البلاد، ويعلن عزمه تشكيل حكومة تدبير ومفاوضات تمثل مختلف الحساسيات المغربية وتوجهاتها، من مهامها تدشين إصلاحات مؤسساتية.
ظل المغاربة طيلة النصف الثاني من عقد الخمسينات وإلى حدود وفاة محمد الخامس سنة 1961، يحتفلون بعيد الاستقلال يوم 2 مارس، إلى جانب ما كان يسمى «الأيام المجيدة الثلاثة» وهي 16 نونبر التي تصادف عودة محمد الخامس من المنفى، و17 نونبر أي عيد الانبعاث و18 نونبر وهو عيد العرش.
وابتداء من اعتلاء الحسن الثاني العرش يوم 3 مارس 1961، انتقل الاحتفال بعيد الاستقلال من «2 مارس» إلى 18 نونبر، وهي الخطوة التي اعتبرها كثير من المتتبعين تسير في اتجاه إبعاد هذه المناسبة التي تأتي يوما واحدا فقط قبل تربع الحسن الثاني على العرش، الشيء الذي كان يمكن أن يرخي بظلاله على المناسبة ودرءا لكل خلط ممكن بينهما.
ولم يكن ليمر هذا التحويل دون أن يخلف ردود أفعال وإن كانت محتشمة، حول تحويل ذكرى وطنية دأب المغاربة على الاحتفال بها طيلة السنوات الأولى للاستقلال، إذ أصر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، مثلا، على الحرص على الاحتفال بذكرى الاستقلال يوم «2 مارس» طيلة فترة الستينات، ضدا على التوجه الرسمي للدولة.
واعتبر متتبعون آخرون أن الحسن الثاني حرص على إلغاء الاحتفال بعيد الاستقلال يوم 2 مارس حتى لا يشوش على عيد عرشه، في الوقت الذي جعل من عيد العرش القديم لوالده محمد الخامس هو مناسبة عيد الاستقلال، ليمنحه مشروعية ورمزية خاصة، وأن المغرب حصل على استقلاله منذ اللحظة التي عاد فيها محمد الخامس إلى المغرب من المنفى يوم 16 نونبر 1955 حاملا معه وثيقة الاستقلال، وأن عمليات جيش التحرير هي ما سرع وتيرة المفاوضات في اتجاه إلغاء عقد الحماية وليس مفاوضات إيكس ليبان.
واستشعر الراحل الحسن الثاني أهمية تحويل عيد الاستقلال إلى 18 نونبر، لأن هذا التاريخ كانت له دلالته أيضا عند المغاربة، وفيه إحالة أيضا على جلوس محمد الخامس على العرش.

كرونولوجيا الانعتاق
حاولت الحركة الوطنية الحصول على الاعتراف الرسمي بها من خلال التقرب من السلطان محمد بن يوسف، وقيامها بمبادرات مثل سن تقليد الاحتفال بذكرى تربع السلطان على العرش. كما شغلت الفراغ السياسي على المستوى الشعبي بالعمل على مطالبة الإقامة العامة ومصالحها المحلية باحترام روح معاهدة الحماية.
لم يسبق للحركة الوطنية أن طعنت في نظام الحماية، سواء قبل 1944 أو أثناء تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال. فمنذ 1930 والحركة الوطنية تواجه الإقامة العامة بالاحتكام إلى بنود معاهدة الحماية، وحتى وثيقة المطالبة بالاستقلال لم تطعن في معاهدة الحماية، ولا في روحها، بل طعنت في مآلها، أي تحول نظام الحماية إلى إدارة مباشرة.
كما كانت النخبة داخل الحركة الوطنية المغربية أكثر الفصائل المغربية المكافحة قربا من نظام الحماية الذي كان يراها الأكثر تسيسا وتواصلا معه، وبينهما سيجري التفاهم في صيف 1955 على مصير معاهدة الحماية والمستقبل السياسي للمغرب وللعلاقات الفرنسية المغربية.
كان ظهور هذه الحركة في مدة قصيرة وبروزها عبر العمل المسلح كطرف داخل أسرة الكفاح الوطني المغربي خلال السنتين الأخيرتين من عهد الحماية بمثابة عامل حاسم في الاعتراف بها وبقوة تأثيرها، مما ساعد على اعتبار وجودها، والتعجيل بالمسلسل السياسي لحل الأزمة الفرنسية المغربية في صيف 1955، عبر محادثات إيكس ليبان، التي لم يجر فيها الإعلان عن استقلال المغرب وطبيعة العلاقات الفرنسية المغربية، ثم عبر عودة السلطان سيدي محمد بن يوسف من المنفى إلى مدينة باريس وإجراء محادثات بسان كلو بين السلطان المذكور ووزير الشؤون الخارجية الفرنسي، أنطون بيناي، توجت بتصريح 6 نونبر 1955.
وشكل اتفاق “لا سين سان كلو” الخطوة الحاسمة في اتجاه توقيع اتفاقية 2 مارس 1956 والتي ستعترف فيها فرنسا رسميا باستقلال المغرب، وقبلها ببضعة أشهر، شكلت حكومة وطنية في المغرب أخذت صبغة تفاوضية، وتولى رئاستها امبارك البكاي الهبيل، وضمت ممثلين عن حزبي الاستقلال والشورى والاستقلال، ومهدت بمفاوضاتها مع الطرف الفرنسي إلى توقيع اتفاق 2 مارس.
ضم الوفد المغربي في المفاوضات التي أفضت إلى اتفاق 2 مارس، شخصيات من قبيل امبارك البكاي، رئيس الحكومة، وعبد الرحيم بوعبيد وأحمد رضا اكديرة ومحمد الشرقاوي، وانتهت المفاوضات بإصدار التصريح المشترك ل2 مارس 1956 الذي يمثل الوثيقة الرسمية، وقعه رئيس الحكومة امبارك البكاي ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى