fbpx
حوادث

استقلال القضاء والفصل بين السلط

إشراف المسؤول القضائي على بعض الأشغال الإدارية يعد إجحافا في حقه وإثقالا لكاهله

شكل إصلاح منظومة العادلة بالمغرب على امتداد خمس سنوات من المخاض العسير والتجاذب بين مختلف المكونات السياسية والأطياف المكونة لمنظومة العدالة، تطلعا وغاية مجتمعية لمغرب ديمقراطي أساسه الفصل بين السلط، والاعتراف لأول مرة بالسلطة القضائية ككيان بهوية متحررة من جبة السلطة التنفيذية ممثلة في وزير العدل.فكانت المصادقة على القوانين التنظيمية المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة وقانون رئاسة النيابة طفرة نوعية، تتوخى إرساء دعائم سلطة قضائية تخرج عن التبعية للنموذج الفرنكفوني الذي ينهل من التجربة الفرنسية ويؤسس لخصوصية مغربية أملتها الظرفية السياسية المتأثرة بنسائم الربيع العربي والبناء الدستوري الجديد ممثلا في دستور المملكة لسنة 2011.

بقلم: منتصر العزوزي *

 

في خضم هذه التحولات برز مفهوم الإدارة القضائية بما يحمله من ضبابية باعتباره نقطة التماس بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية. والأكيد أن رسم الحدود دائما ما يولد الخلاف في صراع شريف بين السلط من أجل النفوذ والمزيد من الاختصاصات والصلاحيات.
وما زاد في تعميق هذا الخلاف هو إحداث منصب الكاتب العام هي (التسمية المنصوص عليها في مشروع التنظيم القضائي المصادق عليه من طرف مجلس النواب والمحال على مجلس المستشارين) وإن كانت التسمية ماتزال محط نقاش. ومن الطبيعي أن تكون مطالب القضاة والهيآت المهنية الممثلة لهم في البداية أن يتولى المنصب قاض، وعلى النقيض من ذلك وقفت نقابات الموظفين و خصوصا النقابة الديمقراطية للعدل باعتبارها النقابة الأكثر تمثيلية و ودادية موظفي العدل مسنودة بالدراسات التي قام بها مكتب الدراسات، إذ اعتبرت أنه منصب اداري ومن الطبيعي أن يتقلده إطار من كتابة الضبط . وبعد أن حسم الوزير السابق مصطفى الرميد الأمر لصالح كتابة الضبط والتأكيد على الموقف نفسه من قبل وزير العدل الحالي محمد أوجار في أكثر من لقاء صحافي وعلى مدار تدخلاته المختلفة في جل اللقاءات التي يحضرها، بل الأكثر من هذا بدأ في رسم حدود اختصاصه والجدوى من إنشائه للتخفيف عن المسؤولين القضائيين قصد التفرغ للشأن القضائي…
ومباشرة بعد أن بدأت ترتسم معالم الكاتب العام وإن كنا نتحفظ على هذه التسمية المقتبسة من التجربة الفرنسية والتي لم تعد صالحة للقياس بسبب الخلاف بين النموذجين، وكنا نفضل أن يسمى مدير الإدارة القضائية على منوال التجربة الاسبانية التي تعتبر نموذجا يحتدى به في الإدارة القضائية، فجر السادة المسؤولون القضائيون سؤال الجدوى من خلق منصب الكاتب العام من داخل المحكمة وعبروا في أول لقاء لهم مع وزير العدل عن رفضهم التام لخلق منصب الكاتب العام، لما سيثير من ارتباك على اعتبار سلطة الإشراف التي يتمتع بها المسؤول القضائي في ظل التنظيم القضائي الحالي، وفضلوا الاكتفاء برؤساء مصالح يعملون تحت السلطة المباشرة للمسؤول القضائي.
والمتمعن لمبررات القضاة يلمس بشكل جلي عدم استيعابهم لمضامين الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العادلة، ويسجل مجموعة من الملاحظات في هذا الشأن:
أولا :مشروع التنظيم القضائي الجديد تخلى عن التقسيم الثنائي للموظفين من داخل المحاكم من كتابة للضبط تشتغل تحت سلطة اما الرئيس الأول أو رئيس المحكمة و كتابة للنيابة العامة تعمل تحت سلطة إما الوكيل العام أو وكيل الملك، واستعاض عنها بتوحيد كتابة الضبط ، مما سيخلق مشكل التداخل في الاشراف بين كل من المسؤول القضائي الموضوع على رأس القضاء الجالس و الواقف. و في رأينا المتواضع ان توحيد كتابة الضبط يقتضي وضع مسؤول اداري على رأس هذه الوحدة الإدارية يعمل بشكل مباشر تحت سلطة وزارة العدل في كل ما هو اداري صرف يمس تقديم الخدمة للمواطنين و لا يمس استقلالية القاضي، لا من قريب و لا من بعيد في اصدار الأحكام القضائية.
ثانيا : الإدارة هي من صميم عمل السلطة التنفيذية وهي مسؤولة أمام المواطنين وتحاسب أمام البرلمان عليها وعند كل انتخابات تشريعية، ولا يعقل أن تحاسب على شيء لا تملك السلطة عليه ، فلو تصورنا وضع العمل الإداري من داخل المحاكم تحت سلطة المسؤول القضائي وفشل هذا الأخير في تدبيره من المنطقي أن يضعه موضع مساءلة من وزارة العدل، إلا أن القانون لا يسعف وزير العدل ، و لا يسمح له سوى بكتابة تقرير يبعثه لمجلس السلطة القضائية باعتباره سلطة التأديب الوحيدة في حق القضاة. وهنا خرق صريح لاستقلال السلط و تدخل مباشر من السلطة القضائية في عمل السلطة التنفيذية. ولنذهب أكثر في الاحتمال ونفترض أن مجلس السلطة القضائية اعتبر هذا المسؤول القضائي كان ناجحا في تدبير الشأن القضائي والإدارة القضائية المرتبطة بالقضاة و لا يستدعي الامر اتخاد أي تدبير تجاهه، أليس في الأمر تقويضا لعمل السلطة التنفيذية !؟
ثالثا: اشراف المسؤول القضائي على بعض الأشغال الإدارية يعد إجحافا في حقه وإثقالا لكاهله من قبيل الأعمال المحاسبية المتصلة بعمل صندوق المحكمة…..
من خلال ما سبق يمكن أن نستنتج مجموعة من الخلاصات المتشبعة بمنطق الموضوعية والمتحررة من عقدة الفئوية والمتوخية تحقيق المصلحة العامة كغاية تسمو فوق أي مصلحة ضيقة لأي كان: منصب الكاتب العام ضرورة ملحة يفرضها الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة.
إحداث منصب الكاتب العام من داخل المحاكم كرئيس لكتابة الضبط هو وفاء لخلاصات وتوصيات الهيأة العليا لإصلاح منظومة العدالة واعتراف بمسلسل شاق من المشاورات دام ست سنوات بين مختلف مكونات العدالة وفعاليات المجتمع المغربي، واحترام للبناء الدستوري والقانوني للمملكة. الكاتب العام هو منصب إداري يعمل تحت السلطة المباشرة للوزارة الوصية، والترشح لشغله ليس حكرا على أحد، شريطة أن يعي هويته وحدود اختصاصه، ولا ضرر في أن يتقلده قاض أو كاتب للضبط …. فالفيصل هو الكفاءة والقدرة على التدبير وتحقيق المصلحة العامة والحكامة الإدارية.
يشرف الكاتب العام على تصريف العمل الإداري من داخل المحاكم، ويشتغل تحت سلطته عدد من رؤساء المصالح والموظفون في احترام تام لمبدأ الفصل بين السلط ودون مساس باستقلالية القاضي في إصدار الأحكام.
* مدير فرعي إقليمي لدى محكمة الاستئناف بالناضور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى