fbpx
حوادث

دور النيابة العامة في التنمية

تعلو على كل السلط وتتمتع بكل الصلاحيات للبحث في كل واقعة

(3/1)
بقلم:ذ. محمد واحي *

تمكنت من زيارة عدة دول من مختلف بقاع العالم، والتقيت جميع شعوبها بمختلف عاداتهم وديانتهم، وتعرفت على حضارات جد متطورة وأخرى جد متخلفة، وأخرى في طور النمو. بحثت عن السر في حسن سير العلاقات الإنسانية والمجتمعية والتجارية والصناعية والخدماتية التي يمكن أن تضمن أداء متميزا في كل المجالات، فوجدت أن للتربية والتكوين دورا كبيرا ولمجموعة من المهن دورها، وللقضاء دور أساسي في إطاره الأول، المتعلق بالنيابة العامة والذي أفردت له هذه الدراسة عسى أن أستطيع التأثير في مراكز القرار لتبني جزءا منه في الإطار العام للتنمية، أو في الجزء الإنساني من عقولنا للتحرك والخروج من رتابة الوضع الحالي الذي لن يضيفنا استمراره إلا بؤسا .

ليست الدراسة تحليلا قانونيا، ولا تحمل في طياتها ما يستجيب التنظير أو الاختلاف حول مقاصد القانون أو تحليل دستوري لتفتح المجال لتأويلات حول فصل السلطات أو حدودها، بقدر ما هي وجهة نظر خاصة حول دور القضاء في التنمية بكل تجلياته وفق مقومات مجتمعنا المغربي، ومستوى تطوره بمعيقاته التي نعرفها جميعا، وفي ظل دستورنا الجديد . إذ الفكرة العريضة التي أردت الوصول إليها هي القطع مع اعتبار جهاز العدالة بكل مكوناته جهازا إداريا لتصريف أمور العدل، واعتباره مكونا كجميع القطاعات المجتمعية والذي يجب أن يشجع المبادرة ويصاحبها ويراقبها ويسعى إلى تحقيق الأهداف ويزجر من يقف عقبة ضد تحقيق النمو، لنصل إلى أن القضاء هو مجال منتج يجب استثماره بتمكينه من كل الآليات الضرورية.
وقد اخترت أن أبدأ أولا بجهاز النيابة العامة تماشيا مع الحركية المجتمعية الحالية، وما عرفته من تطور من خلال نقل سلطات وزير العدل على هذا الجهاز إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، و ما تم تداوله من خلال الخطب الملكية التي تترجم إرادة شعبية نحو تطوير الأداء الإداري، وما يمكن أن يلعبه هذا الجهاز لتحقيق هذا المبتغى .
وسأحاول في البداية إثارة بعض المواضيع على سبيل المثال، والتي اعتبرها معيقة لتطور الحياة المجتمعية وفي المقابل يعتبرها بعض أشخاص النيابات العامة خارج اختصاصاتهم .
قد يتوجه أحدنا بشكاية إلى وكيل الملك حول خرق القانون في برمجة مشروع جماعي، بشكل يظهر فيه عدم الحياد أو عدم نشره باستعمال التدليس أو قبول العروض فيه خارج الإطار القانون، فأول ردة فعل ستكون للنائب المكلف بالشكايات لإقبارها تشبعا بفكرة ( نعل الله من نشرها)، أن المحكمة لا تصنع الحجة لأحد أو يقرر حفظها لعدم إرفاقها بالحجج الكافية أو يرد عليك المجتهد في جهاز النيابة العامة، أنه بإمكانك التوجه للقضاء الإداري للطعن في عدم سلامة المناقصة، وكأن الأمر لا يهمه أولا كمواطن، فتجده يلغط في التجمعات مثلنا حول عدم جدية المشاريع وسرقتها وعدم نجاعتها وضياع أموال الشعب فيها، وربما يكون هو وأبناؤه أول المتضررين منها، في حين أن جهاز النيابة العامة يتمتع بكل السلطات للبحث في كل واقعة تهم هذا المجال والحالات متعددة، إذ بإمكانه ولو فضولا توجيه الشكاية للبحث بتعليمات دقيقة (وهذه مسألة تتطلب تكوينا خاصا سنعود إليه) ليطلب دفتر التحملات وتاريخ النشر وطرقه، بل والاستماع للمتناقصين والمسؤولين عن كل مرحلة حسب نوع الشكاية، وسيصل في حال توفر الإرادة إلى خبايا خربت مجتمعنا بمشاريع يمكن أن تكون وهمية من أصلها إن لم تكن ناقصة أو أوجدت للإثراء فقط . وهذا من أسباب التخلف الذي يمكن أن يكون للنيابات العامة فيه دور وقائي، يمكنها من المساهمة في إيقاف ممارسات مشينة هي من الأسباب الحقيقية لتوقف النمو.
وقد يتوجه آخر للنيابة العامة بشكاية عن احتلال ملك عام وهي حالات يعيشها أغلب قراء هذا المقال، حينا فهل يتوفر للنيابة العامة الحس المنطقي لمطالبة المحتل بتمكينها من الترخيص الإداري ومراقبة مدى خضوعه للضوابط القانونية واستدعاء المسؤول عنه في حال الإخلال في تسليمه لمتابعته بجنح استغلال النفوذ ومتابعة المرخص له بما يجب حسب نوع استفادته خارج القانون، قد يقول قائل أن ذلك من اختصاص الشرطة الإدارية لأجيبه أن السلطة القضائية هي سلطة تعلو كل السلط التنفيذية والتشريعية وتراقب تنفيذ القوانين وما نعيشه اليوم من وضعية يقتضي تدخل النيابات العامة لردع الشرطة الإدارية نفسها وتحميلها وزر عدم المراقبة . وهذا من أحد مظاهر مساهمة القضاء من جهة النيابة العامة في تنمية البلد.
وقد يشي أحدهم بأن بعض مطاحن القمح تستجمع المحاصيل السنوية ليقع وزنها بمدخل هذه المطاحن حتى تستفيد من مساعدات حجم التخزين أولا، بحضور ممثل عن الإدارة لتخرج الشاحنة نفسها من المطحنة نفسها وقد وقع انتقاص من وزن القمح ليعوض بصفين من الدقيق المعبئ في أكياس ليستفيد من الوزن الإجمالي للشاحنة الذي تتحقق معه مداخيل أخرى إضافية في إطار دعم الدقيق، فهل هذا لا يهم النيابة العامة حتى لا تفتح في ذلك تحقيقا ولو بالتربص للفاعلين الأصليين والمشاركين والمساهمين وما أكثرهم لتقي المجتمع شر ناهبي المال العام، هل يعدم نواب وكيل الملك كفاءة بحث وثائق التخزين ومطابقتها مع القدرة اليومية لآلات طحن الدقيق، بل وقدرة الخزانات وهي عمليات ليست بالصعبة أو المستحيلة و التي يستغلها البعض لأستنزاف المال العام.
هل سمعنا يوما أن وكيلا للملك أو أحد نوابه انتقل بعد ضجة استغلال جنسي لطفل في ملجأ، لتكون له فرصة الاطلاع على أحوالهم وفتح تحقيق في طرق المراقبة والتدريس والتربية والتطبيب، بل وبحث طرق صرف الإعانات واستغلال مرافق الملجأ من قبل المسؤولين للسكن به، كما هو الحال في بعض ملاجئ رعاية العجزة، أليس أشخاص النيابة العامة من المواطنين الذين يتألمون لوضع الأطفال المهملين في الشوارع والذين يبيتون في الأزقة ليقدموا أمامه كمجرمين؟، أليس بإمكانه الاتصال بالمسؤولين والاجتماع معه لفهم وبحث المسؤوليات واستدعاء من يجب، ليقوم بواجبه، وهو الذي يتوفر على ترسانة مهمة من القوانين تسمح له بردع المتسلطين، وبالتالي أن تقي المجتمع مصاريف الانحراف ونتائجه.
* محام وعضو مجلس هيأة المحامين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق