fbpx
ملف الصباح

المال والبنون زينة الحياة

السوسيولوجي شكري قال إن المغاربة ينظرون إلى الاغتناء والإنجاب صمام أمان من غدر الزمان

في تفسيره للأسباب التي تجعل أغلب المغاربة يحددون سعادتهم في التوفر على المال والأبناء، يخلص عبد الجبار شكري، الأستاذ الباحث في علم النفس وعلم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، أن في الأمر توليفا بين “زينة الحياة الدنيا”، والسعي في الوقت ذاته إلى نيل سعادة الجنة، نظرا لمركزية المرجعية الدينية في وعيهم.
وفي مايلي تفاصيل أكثر حول أسباب ربط السعادة بالمال والأسرة والدين والصحة الجسدية والنفسية.

أجرى الحوار: امحمد خيي

كيف يرى المغاربة السعادة باعتبارها مفهوما عاما؟
يرى المغاربة أن السعادة هي راحة البال بدون أزمات ومعاناة وشقاء وحزن، فالشخص السعيد هو الذي يكون مرتاح البال وعندما يضع رأسه على الوسادة ينام في راحة تامة.

وما الذي يحقق “راحة البال” عند المغاربة؟
أغلب المغاربة يرون ان السعادة لا تتحقق إلا بأربع مسائل: المال، والأسرة والأبناء، والصحة، والدين.

لنبدأ بالمال، كيف يحقق السعادة؟
إن المال عند المغربي يشكل مصدر السعادة الكبرى لأن به يستطيع ان يحقق الأمن والاستقرار لنفسه ولأسرته، وأشير إلى أنه ليس هناك من الناس في الوجود من لا يريد أن يكون ثريا ويعيش حياة البذخ والرفاهية، وهذه طموحات مشروعة إذا أخذت طريقا شرعيا لتحقيقها، لكن يبدو الأمر شاذا جدا عندما يتخذ صاحبها طريقا غير مشروع، لأن الأمر فيه مساس بحقوق الآخرين، وهذا ما يحدث لبعض الناس أخذوا يجنحون إلى حياة البذخ والرفاهية، بتكديس الأموال وسلبها من الناس ونهبها بطرق غير شرعية، وأحيانا باسم القانون.
إن الذي يجعل من المال مصدر السعادة عند المغاربة، الهــوس بحبه إلى درجة العشق الجنوني، الذي يجعل “الأنا”، يتوحد كليا بالمال إلى درجة الاستغراق الأنطولوجــي، فلا يوجد المال خارج ذاته، بل هو يــوجد في جــوهــر ذاتــه وفــي قلبــه. ولا تنتهي الرغبة في ملكية المال إلا بموت الشخص فليس في سيرورة وجوده، التقاعد عن ممارسة امتلاك المال.
ومن أسباب الارتباط بالمال مصدرا للسعادة في المغرب الاستغراق الكلي والاحتوائي في سيكولوجية جنون العظمة، وهو ما لا يتحقق إلا بامتلاك السلطة، والتي يعد امتلاك المال الطريق إلى نيلها، كما أن تحدر أغلب المغاربة من عامة الشعب، ومن أسر عادية، يجعل بعضهم لا يرون أنفسهم فوق الجميع إلا بامتلاك المال.
إن ارتباط السعادة بالمال، يعود أيضا إلى أن الوضع الاجتماعي، وتقلبات المعيش اليومي، دفعت المغاربة إلى الاعتقاد بأن المال صمام الأمان لضمان الاستقرار والمستقبل والصحة للأسرة، كما يعزى أيضا إلى الهوس بالتفاخر الاجتماعي بين بعضهم البعض، فنجدهم يتنافسون من أجل امتلاك المال أكثر من الآخرين.

وكيف تحقق الأسرة والأبناء سعادة المغاربة ؟
إن اعتبار المغاربة أن تكوين أسرة وإنجاب الأطفال عنصر أساسي في تحقيق السعادة، يستندون فيه إلى المرجعية الدينية، إذ أن الإسلام يعتبر أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا، ما يجعل الأطفال، مثل المال، يضمنون للشخص الاستقرار، وينظر إليهم صمام الأمان من غدر الزمان في الصحة والمال، لهذا نجد عند المغاربة أنه من ليس له أبناء فهو وحيد في الحياة وغير مؤمن فــي المستقبـل عند تقدمه في السن.
إن المغاربة يرون أن الابن كيفما كانت طبيعته، فهو على الأقل سيقدم “شربة الماء” للآباء عندما يعجزون، كما ينظرون إلى الزواج بوصفه نصف الدين، وأن العمل وإعالة أسرة وأبناء، هو عبادة لله وجهاد في سبيل الله، وله أجر كبير عند الله، ما يجعل الأسرة والأبناء، سعادة الدنيا والآخرة.

ماذا عن الصحة، بوصفها عاملا في سعادة المغاربة حسب بعض استطلاعات الرأي؟
يرى المغاربة أن الصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يحس بقيمته إلا المرضى، من هنا يرى المغاربة أن “لي لقا صاحتو يحمد الله”، إذ أنه في هذه الحالة لا ينقصه أي خير، ويمتلك سعادة كبرى لأنه لا يعاني الألم والوجع، باعتبار أن الأداة الوحيدة المدمرة للسعادة هي الألم الجسدي أو الألم النفسي.
وتبعا لذلك، نجد المغاربة يضعون الصحة في قائمــة الأولــويات، لأن كــل شــيء يعوض إلا الصحة، فإذا ضـاعت ذهب كل شيء، ما رسخ اعتقادا لديهم بأن الصحة النفسية والجسدية هما أساس السعادة.

 ترى فئات واسعة من المغاربة، أن الدين هو الذي يحقق لها السعادة، فبماذا يفسر ذلك؟
إن المغاربة يرون في الدين وسيلة لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة، على منوال قول الفارابي، “تحقيق السعادة بالقوة العاقلة التي هي التفكير السليم وتحقيق السعادة بالقوة العاملة التي هي السلوك الأخلاقي الديني”.
ويعود ذلك إلى أن المغاربة متدينون بالفطرة، وتشكل ممارسة الطقوس الدينية من صلاة وصوم وصدقة جــزءا من حياتهم اليومية، وحتى وإن كان البعض لا يمارس الشعائر الدينية فالمنظومـــة الدينية حاضرة في فكره ووجدانه، ويستخدمها في التعامل مع الناس ومع العالم الخارجي، كمــــا يؤمنون باليوم الآخر ويخافـــون من عذاب الله، لأنهـــم يــــرون أن الدنيا فانية وأن السعـــادة الكبرى هي الدخول إلى الجنة.

في سطور
من مواليد 14 يناير 1957
شهادة الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط تخصص علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي.
أستاذ باحث في علم الاجتماع وعلم النفس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة.
خبير في التوجيه والإرشاد النفسي والاجتماعي.
من منشوراته المتعددة “الدين والأسرة، دراسة سوسيولوجية” و”الأسرة المغربية بين إشكالية الهوية وإشكالية المواطنة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى