fbpx
بانوراما

لكمة المعلم عقدتني من الفرنسية

علال… بحر الغيوان ما دخلتو بلعاني

لقبه الكثيرون ب”الفنان الصامت”. يبدو وكأنه لم يكن ينطق إلا من خلال أنامله وهي تداعب آلة “البانجو”، التي كان يروضها كما يشاء. علال يعلى اسم بثقل المجموعة الأسطورية “ناس الغيوان” التي كان أحد مؤسسيها، وحمل على كتفيه وبين أنامله مسؤولية ضبط ألحانها موسيقيا وإيقاعيا ومقاميا. ظل ينأى بنفسه عن الحديث إلى وسائل الإعلام طيلة سنوات طويلة، واعتزل صراعات وفتن المجموعات الغنائية، كما آثر الصمت والإدلاء بشهادته بخصوص العديد من القضايا المتعلقة بمسار المجموعة الأشهر في تاريخ المغرب. في هذه السلسلة التي خص بها علال “الصباح” حصريا، يكشف عن جوانب من سيرته الذاتية لأول مرة.
الحلقة ٤

آلة العود كانت مدخله الأول لمداعبة الأوتار قبل أن يصنع آلته الخاصة من «الطّارّو»

لا يخفي علال يعلى تأثره بما كانت تجود عليه “حلاقي” الحي المحمدي من وصلات فنية شعبية، جعلته مشدودا إلى الفن في شكله العفوي والتلقائي، لكن بالموازاة مع ذلك كان بيت الأسرة ينضح بالنغم، رغم أن الوالد لم يكن يفصح عن ولعه وإتقانه الميزان الهواري، والأخ الأكبر “الزاز” يداعب آلة عوده خلسة.
إذن آلة العود كانت المدخل الأول لعلال لمداعبة الأوتار ، لأول مرة، إذ بمجرد ما يكون شقيقه غائبا حتى يتسلل إلى الغرفة المودع فيها آله العود ويشرع في مداعبتها، ومحاولة تتبع أنغامها بأنامله علّه يستعيد ما كانت تلتقطه أذناه من هنا وهناك، سواء عبر جهاز الراديو أو الفونوغراف أو “الحلاقي”.
وخلال الفترة نفسها حاول علال أن يبتكر آلته الموسيقية الخاصة، وصنعها من “الطارّو” وركب أوتارها بنفسه، حتى يتسنى له مداعبتها أنّى شاء دون أن ينتظر غياب شقيقه، كما كان يصنع آلات الناي من القصب ويحاول العزف عليها، ومحاكاة ما يسمعه من أصوات وأنغام.
كان والد علال رافضا بشكل حاسم هذا الشغف الطارئ بالموسيقى الذي أصيب به ابنه، فقد كان يريد له مستقبلا آخر، وهو الذي ألحقه مبكرا بالكتّاب ليتسنى له حفظ ما تيسر من القرآن، قبل أن يسجله بإحدى المدارس الابتدائية الحرة، وهناك بدأ سنواته الأولى في التمدرس، إلى أن تعرض لموقف على يد معلم اللغة الفرنسية بعد أن وجه له لكمة قوية إلى بطنه كادت أن تفقد علال حياته، لمجرد أنه أخطأ النطق في إحدى الكلمات، وهو ما جعله يفقد الرغبة أيضا في تعلم اللغة الفرنسية وشكل لديه عقدة منها ما زالت مستمرة إلى الآن.
تابع علال دراسته أيضا في مدرسة “الاتحاد” الشهيرة بالحي المحمدي، وكانت تضم حينها أشهر أبناء الحي الذين سيصير لهم شأن في ما بعد، ويذكر أن من زملاء الدراسة الذين جاوروه بالطاولة نفسها بالقسم، الراحل بوجميع وشخص آخر يدعى علي وردة، وآخرون.
حصل علال على الشهادة الابتدائية نهاية الخمسينات، قبل أن ينتسب إلى معهد الرشاد الذي لم يطل مقامه به بسبب ضعف لغته الفرنسية ليقرر مغادرة أقسام الدراسة، مطلع الستينات، ليجاري ولعه الخاص بالموسيقى ويتفرغ له.
لم يكن علال قد خطط شيئا لمستقبله بعد انقطاعه عن الدراسة، ظل هائما على وجهه، يحاول أن يطور مهاراته الفطرية في الموسيقى، وفي الوقت نفسه قرر أن يزاول بعض المهن التي تدر عليه دخلا جانبيا يقيم أوده، فكان يصنع “الفرفارات” ويبيعها، كما كان يبيع “الشوربة” الباردة خلال فصل الصيف.
وظل ولع علال بالموسيقى يترعرع بتدرجه من الآلات التي كان يصنعها بشكل بدائي من المواد الأولية المتاحة أمامه، إلى أن اكتشف عود أخيه “الزاز” فكان بذلك أول آلة موسيقية متكاملة يداعبها ويتعلمها أو هكذا كان يتوهم إلى أن اكتشف الكتاب الذي قلب حياته رأسا على عقب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق