fbpx
ملف الصباح

الهروب من الواقع

تختار فئة عريضة من مكونات المجتمع المغربي التظاهر بالسعادة عبر الاستعانة بمجموعة من السلوكات والخصائص، في حين أن الحقيقة عكس ذلك.
ومن بين الأمثلة الكثيرة، المصطافون الذين يحجون إلى شواطئ عين الذئاب بالعاصمة الاقتصادية، من مختلف الأحياء الشعبية، إذ تأبى فئة «المشرملين» إلا أن تحدث الصخب والفوضى عن طريق تسلق أسطح الحافلات وأبوابها وكذا واجهاتها الخلفية أثناء العودة إلى بيوتهم، محدثين هلعا لدى النساء والأطفال، للتعبير عن الفرحة والسعادة التي يعيشونها، وهي حركات تثير دهشة مواطنين مكتفين بعبارة «سعدات هاذ المساخيط فرحانين من لاشيء»، في حين أن الحقيقة عكس ذلك لأنه لو انتقل المتسائل إلى بيت تلك النوعية لوجد ما يدمي القلوب ويبكي العيون.
ويأتي هذا التصنع بسبب الرغبة في التباهي أمام الآخر، إضافة إلى عدم الثقة في النفس وعدم تقبل الواقع، أو أن الفرد يرغب في مقارنة نفسه بشخص آخر يتفوق عليه في امتلاك الثروة، وهو ما يجعله يحرص على عدم الظهور أمامه بأقل مستوى.
ويؤدي عدم الرضا عن النفس إلى اضطراب نفسي، لأن الشخص يعيش أسيرا لأهواء الآخرين ولن يتمكن مستقبلا من تحقيق النجاح الذي يسعى إليه كل فرد في هذه الحياة، وبالتالي فالشخص الذي يكلف نفسه من أجل مسايرة موضة «خلق السعادة» إنسان ضعيف الشخصية.
ساهمت سيطرة ثقافة «التظاهر بالسعادة» على العقلية المغربية في جعل أفراد المجتمع يتنافسون في ما بينهم لتأكيد تفوق كل طرف على حساب الآخر، وهو ما يتجلى في أن الفرد أصبح يصرف أموالا كثيرة على خرجاته ومأكله ليس من أجل الترويح عن النفس وإنما من أجل توثيقها بالصور ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتستر على المشاكل التي يعانيها في بيته، وحتى يغبطه الناس ويقولون إن فلان ابن علان سعيد في حياته، دون إدراك أنه في الحقيقة رهينة المشاكل النفسية.
التمعن في ظاهرة محاولة خلق السعادة باعتماد المباح وغيره صار سلوكا ضروريا في مجتمعنا المغربي، يجعل الباحث عن الحقيقة يتساءل، هل هذا السلوك يعبر عن نقص في الشخصية أم الرغبة في الهروب من الواقع؟.
ويكفي تحليل بسيط لما نعيشه اليوم، للتأكد من أن هناك خللا في منظومة التعامل مع السعادة، وهو ما يتجلى من خلال لجوء عدد من الأشخاص إلى التنافس عن طريقة التظاهر بالسعادة أمام الآخرين، من خلال تهافت الجميع على العناية بالمظاهر الخارجية سواء في ما يتعلق بضرورة امتطاء سيارة فارهة، أو ارتداء ملابس من صنع ماركات عالمية، أو ارتياد أفخم المطاعم والمقاهي والفضاءات الترفيهية، وهو مؤشر على أن المواطن المغربي أصبح ضعيف الشخصية ومريضا نفسيا يرغب في نسيان واقعه الذي يعاني فيه الويلات.
محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى