fbpx
خاص

أمهات يستجدين الموت لأبنائهن

عذابات أسر تعيش مآسي بسبب الإدمان على المخدرات

“يقتل القتيل ويمشي في جنازته” هذا هو الدور الذي اختارت أن تلعبه الدولة وهي تواجه ملف المريض نفسيا وعقليا، إذ ترمي به في عرض شوارع الإهمال واللامبالاة، وتبكي مع أسرته عندما يقترف المختل جريمة في حق أمه أو جدته أو أحد أفراد العائلة أو المحيط، كما حدث الاثنين الماضي، عندما ذبح مريض نفسيا جدته، وطعن والده، وروع باقي أفراد العائلة والجيران. وهو مثل تلخصه أيضا شهادات أمهات وآباء وأقارب وجيران مرضى نفسيا وعقليا، لا تتوقف دائرة مرضهم عند جسد المريض، بل تتعداه لتبتلع وسط حممها الحارقة، أفراد أسرته وأقاربه وجيرانه والمجتمع عندما يهيم في الشوارع.

إنجاز: ضحى زين الدين
“24 ساعة على 24 كانعانيو مع أشخاص غير قابلين للتعايش”، كلام لأم، لم يعد حضنها مفتوحا لابنها المريض لأنها تعلم أنه سيغرس فيه سكينا، ولم تعد أذناها تنصتان إلى ما يردده لأن فمه يقذف صوبها أقبح مفردات السباب والشتائم.

مآسي…
“أشنو غادي نحكي لك، القصص كثيرة، هي فواجع ماشي حكايات” تقول سعيدة بناني، رئيسة الجمعية المغربية لأسر وأصدقاء الأشخاص ذوي المعاناة النفسية، قبل أن تضيف “أكثر هذه القصص المأساوية التي تعيشها أسر المرضى يوميا، تلك التي سمعتها من ابنة مريض نفسيا، إذ لم تكن وباقي أشقائها ينامون كباقي الأطفال، ولا يدرسون كأقرانهم. عاشوا عذابات يومية، وعانت أمهم لحماية نفسها وحماية صغارها من عنف زوجها المريض، إلى أن رددت يوما أمامهم عبارة “غادي نقتلوا ونهنيكم منو” ليعيش الأطفال عذابا مزدوجا، عذاب خوفهم من أن تنفذ والدتهم وعيدها في حق والدهم المريض، وتدخل السجن، وعذاب سلوكاته العنيفة وتهديده اليومي بقتلهم”.
كانت هذه حكاية ابنة مريض نفسيا وعقليا، من ضمن مئات الحكايات التي تنسج تفاصيلها المؤلمة يوميا في بيوت عائلات المرضى من هذا النوع، ولم تنفع في إبطال مفعول القنبلة، التي تعتزم الدولة تفجيرها في وجه المتكفلين بهم، وهي تدفع بالقانون رقم 71-13 إلى المصادقة، بمبرر حماية حقوق المريض، وعدم إيداعه في المستشفيات إلا بموافقته، “نقطة الخلاف الكبيرة بين الجمعيات والدولة في هذا الإطار هي الاستشفاء، إذ أن القانون الجديد يشير بوضوح إلى أنه لا يمكن إيداع المريض في حالة استشفاء إلا بموافقته، وأنه في حالة الخطر الوشيك على الأسرة اتباع مسطرة طويلة، لكن المريض لا يعترف بمرضه أصلا فكيف سيرضى بإيداعه المستشفى؟”.
تبدأ المسطرة نفسها، التي تجدها الأسر بمثابة صب ماء في الرمل، بالاتصال بالسلطات، وهنا يمكن أن يكون الفعل الإجرامي قد حدث بالفعل، لأن الأسرة لا تملك آلة تحكم في المريض لوقف نوبته العصبية وما يمكن أن يتفجر منها من عنف، قد يتحول إلى جريمة قتل أو اعتداء جسدي خطير، إلى أن تشعر السلطات. بعد إجراء الإشعار توفد السلطات عونا مؤهلا، يقرر إن كان هناك فعلا خطر وشيك. ينقل المريض إذا ما ارتأى العون ذلك إلى المستشفى ليعد الطبيب المعالج تقريرا يبعثه إلى مدير المؤسسة الاستشفائية، والأخير يبعثه بدوره إلى عامل الإقليم، وهنا يكون المسؤول الترابي ملزما بإجراء تحرياته، وكل ذلك في ظرف 72 ساعة قبل اتخاذ قرار إيداع المريض المستشفى لمدة أطول، وهي إجراءات طويلة قد تنتج عنها نتائج عكسية، إذ في سعي الدولة الحثيث إلى ما تسميه حماية حقوق المريض مخاطرة كبيرة بحياة أفراد أسرته أو محيطه.

أوهام…
“لم يعترف يوما ابني أنه مريض، بل إنه يرفض تناول أدويته، ويتوهم أننا نسعى إلى التخلص منه بأي وسيلة، لأنه حقيقة لا يدرك مرضه، ويضع أسرته وكل من يحاول إيداعه المستشفى في صف العدو، لذلك طبيعي جدا أن يحاول تصفية هذا العدو” يقول أبو مريض نفسيا، لم يسلم أشقاؤه ووالدته من عنفه، “لا نعيش كباقي الأسر حياة طبيعية، إذ يمكن لابني أن يجلس اليوم معي لمشاهدة مباراة في كرة القدم، ويقاسمني لحظات جميلة جدا، لكنه لأتفه الأسباب قد يتحول إلى مجرم يحاول قتلك، خاصة أن بنيته قوية. لا أعتقد أن باقي الأسر تنام في بيتها وهي تغلق عليها أبواب الغرف بالمفاتيح، لأن من يعيش مع مريض يضطر إلى وضع أقفال وليس مفاتيح عادية في غرفته، وحتى المطبخ تغلقه زوجتي بالمفتاح ليل نهار، عندما يكون ابني المريض في البيت، مخافة أن يتسلح بأدواته الحادة عند أي نوبة عصبية”.

تهديدات بالقتل
أم مريض آخر يعاني نوبات عصبية شديدة، نتيجة إدمانه المخدرات، اضطرت للخروج للبحث عن عمل بعد وفاة زوجها بأربعة أيام، لضمان 200 درهم لتوفير حاجيات ابنها المدمن، “لا يمر يوم لا أتلقى فيه تهديدات بقتلي أو قتل بناتي”، تقول الأرملة، المقيمة في شقة مع أبنائها الأربعة وابني إحدى بناتها المطلقات، وتضيف باكية “لم يعد ابني ذاك الفتى اللطيف، الذي لم يكن قادرا قبل أربع سنوات، حتى على صعود درج العمارة إلى شقتنا وحده بسبب الخوف. اليوم أصبح الجميع يخاف منه، ولا أخرج من بيتي إلا لأسمع “ولدك دار ولدك فعل…ولدك دار ولدك فعل”، لم يسلم أحد من عنفه” تحكي الأرملة تروي تفاصيل حياة معاناة يومية، تعيشها مع ابنها مدمن المخدرات الذي أصبح يعاني مرضا نفسيا نتيجة ذلك.
“قبل أيام قال لي أريد مبلغ 700 درهم لأضع وشما في يدي، وحين أكدت له أني لا أملكه كسر أثاث البيت، ولم يهدأ إلا حين تدبرت المبلغ من الجيران، الذين يعانون هم أيضا من نوباته العصبية. وحصل في مرة أخرى بالتهديد على مبلغ 2000 درهم لاقتناء حذاء رياضي “كوبرا”، عدا أني مجبرة يوميا على وضع مبلغ 100 درهم في صينية الفطور لاقتناء مخدراته، و100 أخرى أنفقها على وجباته الخاصة، التي يحددها بنفسه”.
ترفع الأرملة أكفها إلى السماء ليس لطلب الشفاء لابنها، كما اعتادت فعل ذلك منذ أربع سنوات أصيب فيها بالمرض نتيجة إدمانه، بل لتردد “يا ربي تديه… يا ربي يجي عندي شي واحد دابا ويقول ليا ولدك مات، بل “أحيانا أستيقظ مبكرا وأرفع عنه الغطاء وهو نائم لأرى إن كان الله استجاب لدعائي وقبض روحه، فهو بالنسبة إلي مات عندما مات فيه ذاك الطفل الصغير الذي عاش في حضني لطيفا مهذبا، وولد مكانه هذا الشخص الغريب، الذي لا يناديني بأمي بل بأقبح النعوت، وهو يأمرني بتوفير كل ما يطلبه مهددا بقتلي، وحين أطلب منه تفهم وضعي وفقري يرد علي “وعلاش ولدتني مللي أنت فقيرة؟ سيري دبري عليهم ولا غادي نقتلك ونقتل بناتك وأحفادك”.
تختلف قصص وحكايات أسر المرضى نفسيا وعقليا في تفاصيل صغيرة، لكنها تتقاسم أهم عنصر وهو التهديد اليومي بالقتل، كما حدث للأسرة التي نحر ابنها جدته في سلا الأسبوع الماضي، بعد سلسلة تهديدات حرص الوالدان على نقلها بتفاصيلها الدقيقة إلى المحكمة الابتدائية بالمدينة نفسها وإلى مسؤولي الدائرة الأمنية ومستشفى الرازي ومقاطعة حي السلام، لكنهما كانا يواجهان دائما بالرفض أحيانا وبالتسويف أحيانا أخرى، قبل أن ينفذ المريض المدمن على “القرقوبي” وعيده ويحتجز جدته رهينة في البيت قبل أن يذبحها.
الإدلاء بشهادات طبية تثبت المرض غير كافية لإثبات ذلك، لذلك ستجد الأسر بعد تنزيل القانون الجديد صعوبات في إيداع فردها المريض في المستشفى المختص، لذلك اختارت بعض الأمهات الفرار، “حملت إحدى الأمهات أبناءها الصغار وتركت البيت لابنها البكر المريض، خاصة أنه هدد باغتصابها وبقتلها، وكان يعنفها جسديا يوميا” تقول جارة أحد المرضى نفسيا، الذي لم يسلم الجيران من عنفه، إذ “حين يصاب بنوبة عصبية يحمل أي قطعة حديدية أو حجرا ويكسر زجاج السيارات في الشارع، وتصبح الحركة في زقاقنا ممنوعة، قبل أن يلوذ بالفرار، وحتى حين يعتقل سرعان ما يتم الإفراج عنه.

60 % من المرضى نفسيا مدمنون

تتقاطع القصص نفسها عند الحديث عن أسباب المرض في نقطة المخدرات، لهذا تقول سعيدة بناني “60 في المائة من الشباب أصيبوا بهذا المرض نتيجة الإدمان، والغريب انه في مدينة عملاقة كالبيضاء لا يوجد إلا مركز واحد للإقلاع، لا يكفي حتى لمدمني درب غلف أقرب حي إليه، وهو مركز يلزم المريض بأداء 100 درهم عن التشخيص، بل إن المريض الذي تجاهد أسرته لإقناعه بالعلاج، يفقد هذه الرغبة عند منحه موعدا لشهر أو عشرين يوما أخرى، فالمريض نفسيا حالة خاصة قد تكون لديه رغبة في العلاج لكنه سرعان ما يفقدها وهذا طبيعي لأنه مريض” توضح بناني.
ليست مشكلة الإدمان وعدم توفر بنية لاستقبال المدمنين للإقلاع وحدها ما يزيد وضعية الأسر تأزما، بل تواجه النسبة الغالبة منها في الأحياء الشعبية والفقيرة مشاكل في تحصيل ثمن العلاج، “تخسر الأم أو الأب عملهما بسبب مرض الابن، ويكون عليهما رغم ذلك توفير حاجيات الأسرة من كراء وأكل ودراسة وغيرها، وتنضاف إليها لائحة أدوية علاج المريض، لذلك أغلب المرضى ينقطعون عن تناول الدواء لأنهم لا يتوفرون على ثمنه” تقول بناني بلسان مجموعة من الأسر التي تفرغ همومها في صدر الجمعية التي تعنى بعائلات المرضى.
الحديث عن مسؤولية الأمن لا يستقيم في مثل هذه الحالات، كما تؤكد ذلك رئيسة الجمعية، ولا حتى وكيل الملك، “سأثبت لك ذلك، فحين ينقل المريض في سيارة الأمن إلى مكتب وكيل الملك يأمر بإيداعه في مستشفى، وتعود السيارة نفسها لنقله من جديد إلى المؤسسة المعنية، غير أن الطبيب يكتفي بحقنه بحقنة مهدئة ويؤكد في جواب إلى المسؤول القضائي أنه لا توجد أسرة كافية للاستشفاء، وهنا يفرج عن المريض ليعود إلى بيت أسرته وإلى محيطه وتتكرر المأساة من جديد”.
قصص يومية تنسج تفاصيلها المأساوية في بيوت غالبا ما تنتهي بخروج الأبناء السالمين للعيش في أماكن أخرى أو تنتهي بطلاق الوالدين و”أكثر مأساوية تلك التي تسقط فيها أرواح نتيجة عدم تدخل الدولة في الوقت المناسب” تخلص رئيسة الجمعية نفسها، قبل أن تستدرك أن الحكومة مطالبة اليوم بتصنيف المرضى نفسيا وعقليا في خانة المعاقين، “يجب أن يحظى هؤلاء بالحماية التي يحظى بها المعاقون من حيث القوانين والدعم، ويجب حماية المتكفلين بهم وبمحيطهم أيضا لأن الجميع يتقاسم المعاناة نفسها دون أن يكون سببا فيها، لأن غياب الحماية الاجتماعية يؤدي إلى هذه النتائج”.
وسبق للجمعية نفسها أن خرجت بمطلب جديد، للتخفيف من معاناة الأمهات بسبب الاعتناء بأبنائهن المرضى، في ظل النقص المهول في الخدمات الصحية لهذه الفئة بالمستشفيات العمومية، إذ طالبت الحكومة بتخصيص تعويض مالي شهري للأمهات المجبرات على التخلي عن عملهن للتكفل بأبنائهن أو أزواجهن المرضى، الذين تتطلب حالتهم الصحية مراقبة مستمرة. وفي هذا السياق قالت سعيدة بناني، رئيسة الجمعية المغربية لأسر وأصدقاء الأشخاص ذوي المعاناة النفسية، إن على الحكومة أن تراعي الدور الكبير الذي تقوم به أمهات وزوجات لضمان الأمن والسلم الاجتماعي، خاصة أولئك اللواتي يضحين بمستقبلهن المهني، للعناية بابن مريض نفسيا أو بزوج، خشية أن يتعرض أطفالهن لمكروه إذا ما تركتهم في البيت وحدهم مع الزوج أو الابن المريضين. وقالت بناني إن المشكل لا يهم عشرات الحالات، فحسب، بل مئات النساء إن لم نقل الآلاف، “اللواتي يقمن بأدوار الطبيب والممرض والزوجة والأم والحارس أيضا”.
قد تطرح الجرائم التي يتورط فيها المرضى نفسيا وعقليا مشكل الاستشفاء فحسب، لكنه لا يخفي مشكل التشرد الذي يعيشه المرضى الذين يخسرون آباءهم، وهنا قالت بناني “العديد من المرضى يتشردون نتيجة فقدان آبائهم، لذلك على الحكومة تخصيص مساعدة مالية لهم”.
إلحاح وزارة وزارة الصحة على أن مشروع القانون رقم 71.13 المتعلق بمكافحة الاضطرابات العقلية وحماية حقوق الأشخاص المصابين بها، يأتي تفعيلا لالتزامات المغرب الدولية، خاصة الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص المعاقين التي صادقت عليها المملكة بتاريخ 8 أبريل 2009، والتي تلزم الدول باعتماد مقاربة حقوق الإنسان في السياسات العمومية المتعلقة بهذه الفئة من المجتمع وباتخاذ جميع التدابير المؤسساتية والقانونية اللازمة لهذا الغرض، لا تقابله إجراءات ملموسة على أرض الواقع، إذ يخصص المغرب طبيبا نفسانيا واحدا لكل 100 ألف نسمة، وهو ما أظهرته نتائج المسح الوطني المنجز من قبل الوزارة الوصية عن انتشار الاضطرابات النفسية وسط عموم السكان البالغين ما بين 15 سنة فما فوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى