مجتمع

أطفال في عطلة موقوفة التنفيذ

الارتباطات المهنية للآباء تفرض تأجيل “حلم العطلة” واختيارات محدودة لتزجية أوقات الفراغ 

الاستجمام والتمتع بأشعة الشمس ومياه البحر في أحد الشواطئ، أو اللهو بالمسابح التي صارت مجهزة بمختلف أساليب الترفيه، تضاعف من منسوب الاستمتاع بالعطلة الصيفية، صار مجرد أضغاث أحلام بالنسبة إلى آلاف الأطفال الذين تبقى عطلتهم موقوفة التنفيذ، وتنحصر في بضعة أيام يحظى بها آباؤهم، بعدما كانت العطلة الصيفية مرادفا، في السابق، لثلاثة أشهر من المرح واللهو والسمر، تنطلق بنهاية الموسم الدراسي، وتنتهي مع انطلاق الموسم الموالي.
أطفال يصنعون قصورا من الرمال، وآخرون تتعالى أصوات ضحكاتهم وهم يتراشقون بمياه بحر هادئ الموج، فيما مجموعة أخرى منهمكة في مراقبة فريقي كرة الشاطئ، غير بعيد عن “بارك الألعاب”.. تراقب ياسمين، البالغة من العمر خمس سنوات، المشهد بتمعن، ترفض أن تزيح بناظرها عنه إلى حين انتهاء الوصلة الإشهارية التي تعرض لأحد عروض الوكالات السياحية وتغري بقضاء أمتع الأوقات. تسأل الطفلة والدتها متى بإمكانهم الذهاب هم أيضا، وتصر على معرفة اليوم والساعة بالتفصيل، فبعد قرابة شهر على انتهاء السنة الدراسية، مازالت ياسمين حبيسة جدران المنزل وروتين يومي لا يختلف كثيرا عن ذلك الذي ألفته طيلة السنة الدراسية، والأكيد أن لا علاقة له بالبرامج اليومية الخاصة بالعطلة.
نمط الحياة تغير كثيرا، ومن البديهي أن ينعكس على المعيش اليومي للأسر، الذي تعد العطلة الصيفية جزءا منه. ففي السابق، كانت الأسرة برمتها في عطلة، بمجرد انتهاء الموسم الدراسي. وتيرة العيش تتغير آنذاك، كأن التقويم الزمني مضبوط على الموسم الدراسي للأبناء، وينضبط إليه، لم يكن الأمر ليخلق أي مشاكل، مادام الأطفال في رعاية الأبوين أو أحدهما، على الأقل، وبإمكانهما، قضاء العطلة، مستمتعين بوسائل الترفيه المتاحة.
على العكس، حاليا، تكاد أن تتحول العطلة الصيفية إلى مأساة حقيقية يعيشها الوالدان والأولاد على حد سواء. ففي الوقت الذي يحرم الأطفال من أجواء العطلة، يقع على كاهل الآباء البحث عن وسائل وبرامج خاصة، تكفل ضمان أمن وسلامة أطفالهم أثناء غيابهم وفي الوقت ذاته، تمكنهم من الحصول على بعض من التسلية.
عديدون هم الأطفال الذين لا ينتهي بالنسبة إليهم الموسم الدراسي منتصف أو أواخر يونيو، بل يستمر ليمتد طيلة يوليوز، وأحيانا أياما إضافية من غشت، إذا كان الآباء “محظوظين” بانتساب أطفالهم لمؤسسة تعليمية تتيح إمكانية الاحتفاظ بالأطفال خارج شهور السنة الدراسية، كما هو الحال بالنسبة إلى ساعات الدوام العادية، حتى تتلاءم مع أوقات مغادرة ذويهم لوظائفهم.
تقول جيهان، مشرفة بيداغوجية، بإحدى المؤسسات التعليمية الخاصة بالرباط، التي تعنى بالتعليم الأولي، إن طلبات عديدة لأهل التلاميذ، جعلتهم هذه السنة، يمددون الحراسة ليوليوز، لاستقبال أطفال، لا يمكن لذويهم الحصول على العطلة إلا في غشت. اختيار، أكدت جيهان، أنه فرض على المؤسسة تطبيق منهجية خاصة، تشعر الأطفال بأنهم ليسوا بجو المدرسة الذي يفرض نوعا من الانضباط والجدية، بل بفضاء ترفيهي، مسل، يتيح لهم إمكانية مزاولة أنشطة من قبيل الرسم والصباغة وتكوين مجسمات كرتونية، فضلا عن قضاء الوقت في اللعب وحفظ أغان خفيفة، ومشاهدة أفلام كارتونية، أو حصص لقراءة بعض القصص، فضلا عن فضاء اللعب الخارجي، وتنظيم بعض المسابقات الترفيهية، فالأكيد أن هذه الفترة ستكون مخصصة للتسلية، ولا مجال فيها للتدريس، بمفهوم تلقين مفاهيم تعليمية مباشرة، كتعلم مهارات الكتابة والقراءة والحساب.
ولأن ليس جميع المؤسسات التعليمية، تتيح هذه الإمكانية، فتحت بعض الحضانات أبوابها، لاستقبال أطفال مؤسسات أخرى، رغم أنهم تجاوزوا في غالب الأحيان سن التعليم الأولي.
“لا خيار أمامي، بالنسبة إلي هذه الحضانة هي بمثابة مكان أكون مطمئنة فيه على طفلي، البالغين من العمر ست سنوات وثلاث”، تقــول نجاة، موظفة، تفرض طبيعة عمل زوجهـا تأجيلهم العطلة إلى غاية غشت، مضيفة أن انتظاراتها من الحضانة التي تودع فيها طفليها، والقريبة من مقر عملها، لا تتجاوز ضمان رعاية طفليهما، وحمايتهما من أخطار أو حوادث يمكن أن يتعرضا لها إذا ما تركتهما بمفردهما في المنزل”.
هجر مغلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق