ملف الصباح

الإدارة الترابية في قفص الاتهام

الولاة والعمال الحلقة الأقوى في تكريس الجمود بفعل صلاحيات التنسيق والوصاية

كلما فتح ملف أزمات الإدارة العمومية إلا تلقت الإدارة الترابية حصة الأسد من سهام النقد، على اعتبار أن الداخلية هي القطاع المركزي الذي يمارس الوصاية على باقي فروع الإدارة، وهو ما ذهب إليه الملك في خطاب العرش عندما ذكر الولاة والعمال بالحديث عن تشريحه جسد القطاع العام في علاقته بالمواطن.
وتتفاقم الوضعية إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مجال الإدارة الترابية اتسع ليشمل الجماعات المحلية، ما دام الولاة والعمال يملكون سلطة المصادقة على أعمال وقرارات المنتخبين، خاصة في مجال المحاسبة على المسؤولية و تدبير الموارد البشرية، ذلك أن كل مداخل الإصلاح تشدد على ضرورة تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكن دون تحقيق النزاهة والشفافية في التعيينات والترقيات، وتفعيل الرقابة بشكل دوري وفي كل المجالات التي لها علاقة بمسؤولياتهم سواء كانت إدارية أو مالية أو تدبيرية.
وتجمع التقارير الوطنية والدولية على اعتبار تدبير الموارد البشرية أهم محرك للإنتاج والعامل الأساسي في تطوير وتحديث نظم الإدارة، وأن استمرار إشكاليات البيروقراطية سيقف حاجزا أمام تحقيق حكامة جيدة، على اعتبار أن حسن التدبيرلا يمكن أن يتم إلا إذا أوكلت إدارة أقسام ومصالح الموارد البشرية لمن لهم رصيد مهم من التجارب و لهم دراية وتكوين في هذا التخصص.
ولم تأخذ مسارات الإصلاح الإداري بمطالب إشراك الموظفين في عملية التحديث، وغابت أغلب التقنيات المعروفة في هذا المجال من قبيل التواصل، والتعبئة والتكوين المستمر، حتى أن القانون الأساسي للوظيفة العمومية المستمد من نظيره الفرنسي والذي يعتمد على النموذج البيروقراطي الصرف المتسم بالمركزية في تدبير الموارد البشرية، لم يتمكن من تجنب معيقات أخرى داخلية من قبيل طرق التوظيف والترقيات وكذا نظام تقييم أداء الموظفين،إضافة إلى غياب التوازن بين الإدارات و المرافق العمومية في ما يخص عدد الموظفين، فالبعض منها يعاني نقصا في الموارد البشرية في حين أن البعض الآخر، عدد موظفيها يفــوق عــدد الكراسي الموجودة بالمكاتب.
لكن الإدارة تحتـــاج أكثـــر من التأطير القانوني، بالنظـــــر إلـــى ما يحتـــويـه دستـــور المملكـــة من مقتضيات تفــرض عقلنـــة التدبير، بل إلى تغييــر في العقليـــات في كل مستــــويات سلـــم المســـؤوليات، ما جعل الوضع علـــى الميـــدان يعـــاني تضخمــا فــي أسبـــاب الجمـــــود وربمـــا التقهقـــر، الذي لن يتـــوقف إلا إذا تحققــت شـــروط الحكـــامة فــي كــــل الفـــاعلين، بــــــدءا بالمـــواطن والموظف والمنتخب وهيآت المجتمع المدني الحقيقي والأحزاب السياسية.
ولن يسير قطار التطوير على سكة الإدارة المغربية، حسب الهيآت العالمية المانحة دون وضــع مساطر مبسطة وتراتبية إدارية مصغرة، تكون سهلة الإدراك وفي متناول المواطنين، بمعنى عــدم تركيز السلطــة فـــي يد شخص أو جهة معينة، لأن ضعف التفويض يؤدي إلى التأخر في صدور القرارات الإدارية وكذا إلى تكدس الملفــات وتراكمهــا نتيجة انتظار الموافقــة أو الإمضاء، مما يؤدي إلى إرباك سير المرفق وإحباط المرؤوسين وتكريس عدم الرضا في نفوس مواطنين، يحلمون بنهاية عهد الشطط في استعمال السلطة وبداية زمن السرعة في وتيرة الحصول على الخدمات.
ياسين قُطيب

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق