بانوراما

ثلاثة أقطاب تتصارع على الحكم

باريس الجزائر… قصة عاطفية

تعاني الجزائر حساسية مفرطة من المغرب بشكل عام، لكن حدة الحساسية ترتفع عندما يتعلق الأمر بعلاقة المغرب بفرنسا، إذ لا يخفي حكام الجزائر امتعاضهم من أي تقارب مغربي فرنسي، بل إن الجارة الشرقية أصبحت مثل الزوجة التي انفصلت عن زوجها لكن الآصرة العاطفية ما تزال تحركها وتجعلها تتدخل في علاقاته، رغم انفصالهما، فهي تعتبر نفسها الأحق بفرنسا من غيرها ولا يمكن للسياسيين الفرنسيين ربط علاقات مع أطراف أخرى، خاصة مع المغرب دون استشارتها وإخبارها. كتاب “باريس الجزائر… قصة عاطفية”، الذي أعده الصحافيان الفرنسيان كريستوفر دوبوا وماري كريستين طابي، يعطي بعض الأجوبة عن هذه التساؤلات.
الحلقة ٨

إعداد: عبد الواحد كنفاوي

ينتقل الصحافيان إلى تسليط الضوء على دهاليز النظام الجزائري ومراكز القرار، ويعترفان منذ البداية أنه من الصعب معرفة طبيعة النظام الجزائري ومن يحكم الجزائر، إذ أن غياب الشفافية والتعتيم يمثلان السمتين البارزتين لهذا النظام.
ويسوق الكتاب تصريحا لدبلوماسي فرنسي مرموق قضى سنوات بالجزائر، وأكد أنه “سيغادر الجزائر بعد سنوات من العمل بالسلك الدبلوماسي بها دون معرفة من يحكمها”.
ويشير دبلوماسي آخر في الموضوع ذاته إلى أنه “لم ير نظاما صعبا على الفهم عبر العالم مثل الذي يوجد بالجزائر”.
ويطرح الصحفيان سؤال من يحكم في الجزائر؟ يتمحور النظام الجزائري حول ثلاث أقطاب أساسية تتصارع فيما بينها لكن دون أن يطغى قطب على الآخر، إذ أن العلاقة التي تربط بين هذه الأقطاب علاقة مد وجزر.
وتتمثل هذه الأقطاب في رئاسة الجمهورية، والجيش، والأجهزة الاستخباراتية. ولا يخلو كل قطب، أيضا، من صراعات داخلية على المواقع، مع إمكانيات انتقال شخصيات من قطب لأخر. وتتأثر العلاقات داخل الأقطاب وفيما بينها بالانتماءات الجغرافية التي تمتد من الغرب، الذي يمثل قطب المدنيين إلى الشرق الممثل من قبل العسكريين. وبرزت في السنوات الأخيرة ثروات عائلية وشبكات علاقات أعمال تكتسح الميدان وتبحث لنفسها عن موطئ قدم في موازين القوى المتحكمة في دواليب الحكم.
ويسرد الصحافيان وثيقة من وثائق “وكيليكس” تشير إلى لقاء بين أحمد غزالي، رئيس الوزراء الأسبق، والسفير الأمريكي بالجزائر، أخبر خلاله المسؤول الجزائري الدبلوماسي الأمريكي أن هناك مجتمعين موازيين في الجزائر، الأول في السطح والثاني في الكواليس”.
ويمثل عبد العزيز بوتفليقة، الرئيس لحالي، الجزء الظاهر من جبل الجليد، في حين يمثل رئيس جهاز المخابرات (محمد الأمين مدين (المعروف بالجنرال توفيق)، قبل أن يقال ويعين في منصبه عثمان طرطاق) الجزء الخفي للنظام. وظل محمد الأمين متواريا عن الساحة الإعلامية، يتحكم في دواليب الحكم طيلة 25 سنة بيد من حديد، قبل أن يقيله عبد العزيز بوتفليقة ويعين مكانه عثمان طرطاق.
ويتوفر رئيس إدارة الاستخبارات والأمن، الأمن العسكري سابقا، على كل الآليات التي تجعله يتحكم في الحياة السياسية والاقتصادية، فلا توجد أي مقاولة أو صحيفة أو نقابة أو جمعية خارج رقابته، كما كانت هذه الإدارة إلى عهد قريب تباشر تحقيقات قضائية، خاصة في قضايا الرشوة، ما يجعل في يد رئيس هذه الإدارة كل الآليات من أجل التحكم في مراكز القرار. وأصبح الجنرال محمد مدين (المعروف بتوفيق)، بحكم السلط والمدة التي قضاها على رأس هذا الجهاز، يلقب بإله الجزائر، قبل أن تتم إقالته من قبل عبد العزيز بوتفليقة، خلال 2015. ويؤهله دوره الإستراتيجي أن يكون هذا الجهاز المحاور الرئيسي في العلاقات الفرنسية الجزائرية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق