مجتمع

مركز تيط مليل … يد واحدة لا تصفق

أكبر المراكز الاجتماعية بالبيضاء يدفع ضريبة الخصاص الكبير في مراكز إيواء “يتامى المجتمع”

لم تسعف مساحته الممتدة على مساحة 12 هكتارا، نزلاءه في الإحساس بالحرية التامة. وجوه تعلوها الهموم والآلام ويخيم الحزن على ملامحها، وأخرى ترتسم بالكاد عليها ابتسامة بريئة كأنها تريد أن توصل رسائل شكر وعرفان، أو حتى لوم وعتاب بطريقتها الخاصة والمختلفة باختلاف حالاتها والدمع في عيونها يكاد ينهمر.

في حين اكتفى البعض منهم بالصمت والمراقبة، وآخرون يمدون أيديهم لكل وافد جديد وهم يتسولون ثمن سيجارة، أو لمسة عطف أو حتى مجرد كلمة مواساة.

وزارت “الصباح” المركز الاجتماعي دار الخير “تيط مليل” من جديد، ونقلت الصورة كما هي عن مؤسسة يقابل مسؤولوها الضغط والاكتظاظ بمجهود مضاعف، في ظل الخصاص الكبير بفضاءات استقبال وإيواء “يتامى المجتمع”.

في البداية، التقينا بأحد المسنين البالغ من العمر 70 سنة، الذي وجدناه منعزلا عن الآخرين داخل غرفة، وقد أخبرنا بحرقة عن قصة وجوده بالمركز، التي يختصرها في أنه بعد أن كان رب أسرة في السابق، تغير الأمر بعد تزوج الأبناء الذين لم يترددوا في طرده إلى الشارع. يضيف عمي محمد قائلا: “طردني ابني إلى الشارع بعد أن أخبرته زوجته أنها لا ترغب في رؤيتي وكان لها ما أرادت، لن أسامحهم مدى الحياة على فعلتهم هاته. أفنيت كل عمري في تلبية طلباتهم وفي الأخير أصبحت حملا ثقيلا عليهم”.

غدر الزوجة

معاناة أخرى لمسناها من خلال وجه مسن آخر لم يرتكب أي ذنب في حق أبنائه سوى أنه ضيع سنوات حياته في العمل الدؤوب من أجل رعايتهم، وبعد أن صار طاعنا في السن لم تعد له أهمية في نظرهم، فضاقت به الدنيا وامتلأت عيناه بالحزن بعد أن غدرت به عائلته وكانت السبب في وضعه بين أربعة جدران باردة. وجدناه جالسا في الساحة، يناجي نفسه، حاولنا الاقتـراب لعله يرتاح بعد أن يبوح بما يخالج النفس ويعتمل فيها من آلام. يختزل لوعته في أنه عمل سنوات من أجل إرضاء زوجته وتعليم أبنائه وتوفير متطلبات زواج بناته الثلاث، وبعد أن تعرض لحادث سير، قست عليه زوجته وتغيرت معاملتها لـه، إذ لـم تتقبل جلوسه في البيت دون تلبية حاجياتها
ويضيـف: “أخبرتني أن لا قيمة لي وأبت أن تخدمني.
ومــا زاد حزني أن حتى بناتي تنكرن لي ورفضــــن رعايتي في بيـوتهن بحجة أنهن غير قادرات على تحمل مصاريفي، واليوم لا أحد من عائلتي يسأل عني حتى في المناسبات”.

“لحبيبة مي”

في جناح النساء كان من السهل علينا التقرب من “مي مينة”، ذات الخمسة وستين سنة، والتحدث إليها، إذ لم تجد المشرفة على الجناح صعوبة في إحضارها، خاصة وأنها لم تمانع في رواية قصتها المؤلمة والحزينة.
وبمجرد أن سألناها عــن كيفية وصولها إلى المركز أخبرتنا أنه بعد وفاة زوجها انتقلت للعيش مع أخيها وزوجته، غير أن إقامتهــا هناك لم تكــن مريحة خاصة بعد الخلافات والمشــاكل المستمرة التي نشبت بينهــا وبين زوجة أخيها القاسية والمتسلطــة، والتي استحوذت على كل ما كانت تملكه من حلي ومجوهــرات دون وجه حق، وأصبحت تتعرض لشتى أنواع العنف من طرف أخيها هــو الآخـــر وعائلتــه قبل أن تلفظها إلى الشارع، لتجدها بعد ذلك دورية المركز وتلتحق بباقي النزيلات في أحد أجنحته.

نصيب من المعاناة

داخل الفضاء نفسه جناح آخر مقفل على معاناة مختلفة ومن نوع خاص، أبطالها مرضى من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يتواصلون إلا عبر لغة الإشارات والرموز، ولا يأكلون إلا بعد أن تمد اللقمة إلى أفواههم، يقضون أيامهم في ملل وضجر رهيبين.
يطلق على الجناح اسم “روض الأطفال” ويضـــم حالات مختلفـــة ونادرة جدا من النزلاء، إذ تقول المسؤولة عنهم إن العناية بمثل هذه الحالات تتطلب جهدا كبيرا واهتماما خاصا بنظافتهم ومأكلهم وملبسهم. بيد أن اللافت في الأمر هو أن من يسهر على هذه البراعم من ذوي الاحتياجات الخاصة، يفتقد لأي تكوين أو دراية بحالاتهم المختلفة والمعقدة، إذ يقتصر الأمر على نزيلات سابقات تحولن بقدرة قادر إلى ما يشبه المسعفات الاجتماعيات.
إيمان الشاتي (صحافية متدربة)

اكتظاظ

على الرغــم مـن ســوداوية المشهـــد داخــل هذا الفضاء الشاسع والاكتظــــاظ والازدحام والاختلاط وغيرها من المشاكل التي لا ينكرها المسؤول عن المركــــز، إلا أنه يضطلع بمهمـــة إيـــواء هــــذه الشريحــــة المهمشة والمنسية من قبل المجتمع وحمايتها من خطر الشارع.
وهو الأمر الذي يستدعي إحداث مؤسسات أخرى يكون لها نفس الدور لتقليص العبء على هذا المركز، الذي مازال بحاجة ماسة إلى مجهودات اكبر.
فالواقع فاقع يتطلب تضافر الجهود واحتضان هذه الشريحة من المجتمع، التي وجدت نفسها في سياقات مختلفة على هامشه، تتفاوت نظرة أفراده إليها بين الشفقة والاشمئزاز.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق