الصباح السياسي

الأحــزاب… “كـومـا”

مسيرات الغضب كشفت ضعفها والملك أنهى زمن اختباء المنتخبين خلف القصر

وضع الملك الأحزاب أمام تشخيص صادم لأمراض الممارسة السياسية، إذ سجل خطاب الذكرى الـ 18 لتربع جلالته على العرش أن هناك وضعيات غير سليمة لا بد من التخلص منها تحصينا لأواصر التفاعل الإيجابي الراسخ بين العرش والشعب.
وتجلت وضعيات الخلل الحزبي في وجود مفارقات صارخة في خارطة مشاريع التنمية يكشف عجزا بينا على مستوى المسؤوليات الانتدابية التي تتحمل فيها الأحزاب مسؤولية جسيمة لمواجهة التحديات والرهانات، وتجاوز عقلية العدمية التي تجعل الآخر هو المسؤول، فضلا عن فقدان المواطنين الثقة في الطبقة السياسية، وعقم المسلسلات الانتخابية وعدم تمكنها من إنتاج نخب قادرة على القيام بصلاحياتها الدستورية.

الحسابات الضيقة ضيعت المواطن
الملك اعتبرها خيانة ودعا الأحزاب إلى استدراك أخطائها
وضع خطاب العرش خارطة طريق لجبر الضرر التي ألحقته الأحزاب بقنوات تصريف الثقة بين المغاربة والدولة، إذ أصبح في حكم المؤكد أن تطلق في القريب العاجل مؤشرات واضحة في تنفيذ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، وذلك من خلال تشديد ملكي على ضرورة تفعيل الدستور، إذ لم يتردد الملك في التنبيه إلى العديد من المخاطر التي تهدد البلاد، وتوجيه مجموعة من الرسائل الواضحة للنخب السياسة والإدارية للقيام بصلاحياتها الدستورية ومواجهة الرهانات والتحديات التي تعرفها البلاد، خاصة في ما يتعلق بخطر عدم قيام الأحزاب السياسية بدور الوساطة و التأطير والتمثيلية، فضلا عن مخاطر اعتماد الأحزاب للمقاربات السياسوية الضيقية، فيؤدي الصراع الموجود بينها إلى ضياع مصالح المواطنين.
وفي الوقت الذي أعطيت فيه إشارات ملكية على أن خطاب العرش سيكون له ما بعده، ووجهت إلى الأحزاب أسئلة حارقة علها تستدرك أخطاءها قبل فوات الأوان وتجنب البلاد طريق المحاكمات، عاد القادة إلى الاحتماء بالملك والركوب على خطبه، متجاهلين رفضه القاطع لعادة الاختباء خلق القصر عندما تكون النتائج سيئة، خاصة أن الأمر لم يعد يتعلق بكبوات معزولة بل ممارسة ممنهجة جرت على المنتخبين والمسؤولين المعرقلين للمشاريع التنموية اتهاما صريحا بـ”الخيانة”.
وضع حراك الملك والشعب الأحزاب والمسؤولين على صراط المحاسبة، بين القيام بالمهام كاملة أو الانسحاب، على اعتبار أن تدبير الشأن العام ينبغي أن يظل بعيدا عن المصالح الشخصية والحزبية، وعن الخطابات الشعبوية، إذ أوضح الملك أن الأحداث التي تعرفها بعض المناطق أبانت عن انعدام غير مسبوق لروح المسؤولية، وعوض أن يقوم كل طرف بواجبه الوطني والمهني، ويسود التعاون وتضافر الجهود لحل مشاكل السكان، انزلق الوضع بين مختلف الفاعلين إلى تقاذف المسؤولية، وحضرت الحسابات السياسية الضيقة، وغاب الوطن، وضاعت مصالح المواطنين، وأن “قيام مسؤول بتعطيل مشروع تنموي اجتماعي، لحسابات سياسية أو شخصية، ليس فقط إخلالا بالواجب، وإنما هو خيانة”.
ولم يجد المواطنون أمام هذا الوضع غير “الشكوى لملك البلاد من الإدارات والمسؤولين الذين يتماطلون في الرد على مطالبهم، ومعالجة ملفاتهم، ويلتمسون منه التدخل لقضاء أغراضهم”، على حد تعبير خطاب العرش الذي تساءل فيه جلالته “إذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”، على اعتبار أن ممارسات بعض المنتخبين، تدفع المواطنين ، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات، “لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل”.
الملك مصدوم
وضع التشخيص الملكي للوضع السياسي العام الأحزاب في قفص الاتهام، رافضا الاعتقاد السائد لديها بأن “عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، واجتماع مكاتبها السياسية ولجانها التنفيذية، أو خلال الحملات الانتخابية”، و”عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المواطنين، وحل مشاكلهم، فلا دور ولا وجود لها”، وذلك في خرق واضح للدستور الذي وضع في مقدمة مهامها تمثيل وتأطير المواطنين، وخدمة مصالحهم.
وعبر الملك عن صدمته من أن يصل الصراع الحزبي، وتصفية الحسابات السياسوية، إلى حد الإضرار بمصالح المواطنين، في الوقت الذي يتطلب فيه  تدبير الشأن العام الابتعاد عن المصالح الشخصية والحزبية وعن الخطابات الشعبوية وعن استعمال بعض المصطلحات الغريبة، التي تسيء للعمل السياسي، مسجلا تفضيل أغلب الفاعلين لمنطق الربح والخسارة، للحفاظ على رصيدهم السياسي أو تعزيزه على حساب الوطن، وتفاقم الأوضاع، وأن تراجع الأحزاب السياسية وممثليها عن القيام بدورها، عن قصد وسبق إصرار أحيانا، وبسبب انعدام المصداقية والغيرة الوطنية أحيانا أخرى زاد من تأزيم الوضع. 
وأمام هذا “الفراغ المؤسف والخطير”، أبرز الملك أن القوات العمومية وجدت نفسها وجها لوجه مع السكان، فتحملت مسؤوليتها بكل شجاعة وصبر، وضبط للنفس، والتزام بالقانون في الحفاظ على الأمن والاستقرار، في إشارة إلى ما وقع بالحسيمة و”يمكن أن ينطبق على أي منطقة أخرى”.

ياسين قُطيب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق