حوادث

الاختصاص النوعي بقضايا الكراء التجاري

التفسيرات القضائية بخصوص الاختصاص تؤكد أن مواقف القضاء لا تخرج عن اتجاهين (3/1)

بقلم:عبد الرحمان اللمتوني *

يمكن القول إن النقاش حول مسائل الاختصاص القضائي، سيما الاختصاص النوعي، لم يعرف فترة عمق ودينامية أكثر من تلك التي واكبت صدور القانون المحدث للمحاكم التجارية، وظهور حالات تنازع الاختصاص بين هذه المحاكم من جهة، والمحاكم الإدارية والمحاكم الابتدائية من جهة ثانية، ذلك أن المشرع ومن أجل توفير الجو الملائم لاطلاع القضاء التجاري بالمهمة المسندة إليه، عمل على حصر مجال تدخله، كي يتفرغ إلى نوع محدد من القضايا والمنازعات.

توقع جانب من الفقه المغربي في معرض تقديم قراءة أولية للقانون المحدث للمحاكم التجارية، أن المادة 5 التي تحدد الاختصاص النوعي لهذه المحاكم، ستطرح مجموعة من الإشكالات بخصوص الفقرات الثانية والثالثة والرابعة، التي تتعلق على التوالي بالدعاوى التي تنشأ بين التجار و المتعلقة بأعمالهم التجارية، والدعاوى المتعلقة بالأوراق التجارية، ثم النزاعات الناشئة بين شركاء في شركة تجارية، ولم يتوقع هذا الفقه حينها أن تطرح الفقرة 5 المخصصة للنزاعات المتعلقة بالأصول التجارية مشكلا في التفسير،إلا أن التجربة أثبتت أن الفقرة الخامسة المذكورة، كانت أكثر فقرات المادة الخامسة من القانون المحدث للمحاكم التجارية إثارة للجدل، خاصة في ما يتعلق بتحديد المقصود بالمنازعات المتعلقة بالأصول التجارية و ما إذا كانت قضايا الكراء التجاري تدخل ضمن هذا النوع من المنازعات أم لا ؟ لذلك ومن أجل الوقوف على التفسير القضائي بخصوص مسألة الاختصاص النوعي بدعاوى الكراء التجاري وأثر ذلك على التشريع، سنتطرق إلى تضارب التفسيرات القضائية بهذا الخصوص (أولا)، ثم نتطرق لدور قضاء النقض في توحيد التفسير القضائي في الموضوع وأثره على التشريع ( ثانيا ).

أولا: تضارب التفسيرات القضائية بشأن الاختصاص بقضايا الكراء التجـــاري
إن دراسة مجموع التفسيرات القضائية بخصوص الاختصاص النوعي بقضايا الكراء التجاري، تقودنا إلى القول بأن مواقف القضاء المغربي لا تخرج عن اتجاهين قضائيين، تقيد أحدهما بحرفية النص وفسر الفقرة 5 من المادة 5 من قانون إحداث المحاكم التجارية تفسيرا ضيقا، في حين اعتمد الاتجاه الثاني التفسير الواسع، ففسر النص وفق المفهوم الذي قصده المشرع بموازاة مع باقي أحكام مدونة التجارة والقانون المحدث للمحاكم التجارية.

أ‌- التفسير الضيق لمفهوم المنازعات المتعلقة بالأصل التجاري:
تزعمت محكمة الاستئناف التجارية بفاس هذا الاتجاه، متمسكة بحرفية نص الفقرة 5 من المادة 5 من قانون المحاكم التجارية، واستبعدت بذلك قضايا الكراء التجاري من اختصاص المحاكم التجارية، معللة قراراتها بأن: «عقد كراء المحل التجاري وإن كان يتصف بالصفة التجارية، فهو لا يدخل ضمن العقود التجارية التي تولت مدونة التجارة تحديدها وتعريفها وبالتالي جعلت تطبيقها أمام المحاكم التجارية طبقا للمادة 736…، وأن سكوت المادة 20 من القانون المنظم للمحاكم التجارية عن إسناد الاختصاص فـي دعوى كراء المحل التجاري إلى رئيس المحكمة التجارية، وتصريح ظهير24/5/1955 بإعطاء هذا الاختصاص إلى رئيس المحكمة الابتدائية، وكذا الطابع المدني المعترف به تقليديا لعقد الكراء، وكذا الصفة الاستثنائية التي تتمتع بها المحاكم التجارية، كل ذلك يجعل المحاكم المدنية هي المختصة للنظر في الدعاوى المتعلقة بالأكرية المدنية»( )،

ورغم أن محكمة الاستئناف التجارية بمراكش تعتبر رائدة الاتجاه القضائي الذي اعتمد التفسير الواسع للفقرة 5 المذكورة، فإن المحكمة التجارية الابتدائية بالمدينة نفسها لم تسايرها في ذلك، ومالت إلى اعتماد التفسير الضيق في الموضوع، معتبرة أن: «المنازعة بين المكتري والمكري لمحل معد للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي لا تعتبر منازعة منصبة على الأصل التجاري، وإنما منازعة متعلقة بعقد كراء، وبالتالي فإن البت فيها يرجع للمحاكم العادية التي لها الولاية العامة»، وهو التفسير نفسه الذي اعتمده قرار صادر عن رئيس المحكمة التجارية بالرباط بتاريخ 24/6/199.
اعتبر الفقه أن هذا التفسير الضيق للفقرة 5 المذكورة، لا ينسجم مع المقصود من عبارة المنازعات المتعلقة بالأصول التجارية، لأن هذه العبارة جاءت عامة ودون تقييد، وغاية المشرع من هذه العمومية هي عدم حصر اختصاص المحاكم التجارية في العقود المتعلقة بالأصل التجاري، كما هي منظمة بموجب الكتاب الثاني من مدونة التجارة، وإنما المقصود هو جعلها تمتد لتشمل كل نزاع له علاقة بوجود الأصل التجاري، والدليل على ذلك أن المشرع استعمل عبارة «النزاعات المتعلقة»، بدلا من عبارة «النزاعات المنصبة» على الأصول التجارية، «، ثم إن ظهير 24/5/1955 لا يتصور تطبيقه إلا بوجود أصل تجاري، والحق في الكراء الذي يتوخى حمايته كعنصر، ومن ورائه الأصل التجاري برمته، يعتبر أهم عنصر في الأصول التجارية بالمغرب، والذي تستند إليه أكثر من اعتمادها على عنصر الزبناء والسمعة التجارية»، ومن ثم فإن كل منازعة في الحق في الكراء هي منازعة في الأصل التجاري ذاته.

ب- التفسير الواسع لمفهوم المنازعات المتعلقة بالأصل التجاري:
تعتبر محكمة الاستئناف التجارية بمراكش رائدة في هذا الاتجاه، حيث توسعت كثيرا في تفسير الفقرة 5 من المادة 5 من قانون إحداث المحاكم التجارية، وأضافت إلى المواضيع التي تختص بها المحاكم التجارية كل ماله علاقة بالأصل التجاري، ومن ذلك قضايا ظهير 24/05/1955 المتعلق بالكراء التجاري سواء تعلق الأمر بطلب الإفراغ أو التعويض أو مسطرة الصلح أو دعاوى تجديد عقد الكراء، أو غير ذلك من قضايا ظهير 24/05/1955، على النحو الذي جاء في القرار الصادر عن المحكمة المذكورة بتاريخ 17 أكتوبر 1998، حيث ذهبت إلى أن «الفقرة الخامسة من المادة الخامسة من القانون المحدث للمحاكم التجارية تسند الاختصاص للمحاكم التجارية للبت في النزاعات المتعلقة بالأصول التجارية بغض النظر عما إذا كان العقد مدنيا أو تجاريا، وسواء تعلق الأمر بتاجر أو غير تاجر، ومادامت الإجراءات التي ينظمها ظهير 24 ماي 1955 ترمي إلى تجديد أو رفض كراء المحل المستغل فيه الأصل التجاري، فإنها بذلك تكون داخلة في إطار النزاعات المنصوص عليها في الفقرة سالفة الذكر».
الملاحظ أنه، رغم التبريرات التي قدمتها محكمة الاستئناف التجارية بمراكش، فإنها لم تكن كافية لإقناع الفقه الذي يعارض إسناد الاختصاص بقضايا الكراء التجاري للمحاكم التجارية، حيث يرى جانب من الباحثين أن هذه المنازعات تتعلق بعقد الكراء الذي يتخذ محلا له العقار المعد للاستغلال التجاري أو الصناعي أو الحرفي ولا تتعلق بالأصل التجاري في حد ذاته، ولا يجب تبعا لذلك التركيز على قيمة الأصل التجاري للقول بإسناد الاختصاص للمحاكم التجارية أو رؤسائها.

* دكتور في الحقوق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق