fbpx
خاص

فرادة مغربية بطقوس دينية وعصرية

عيد العرش… طقوس الملوك الثلاثة

ملامح التغيير والحفاظ على الأصالة بين الحسن الثاني ومحمد السادس

يخلد الشعب المغربي في الثلاثين من يوليوز الجاري، الذكرى 18 لاعتلاء الملك محمد السادس العرش، وهي مناسبة ذات دلالة سياسية رمزية تجمع بين الجالس على العرش، والشعب، وتتجلى في توطيد العلاقة بينهما على شكل تعاقدي، تتخلله طقوس دينية مجسدة في أواصر الولاء والبيعة الوثقى، وطريقة أدائها، وفي جانها العصري بأداء ممثلي الشعب المنتخبين وطنيا وجهويا ومحليا وإقليميا، واجب ذلك التعاقد نيابة عن باقي أفراد المجتمع.

أحمد الأرقام

يتفرد المغرب بطقوس تراثية، تختلف عما هو معمول به في باقي الأنظمة العربية والإسلامية، وكذا الغربية التي ترتكز على نظام ملكي خاصة العرش البريطاني، وكذا إمبراطوريات آسيا التي تمزج بين أداء طقوس التعاقد التقليدي الديني والعصري، ناهيك عما يجري في الأنظمة الرئاسية من طقوس لأداء القسم التعاقدي وتبادل السلطات.
 وتعيد ذكرى عيد العرش الملاحم البطولية التي خاضها الشعب والعرش، معا منذ السنوات الأولى للكفاح الوطني من أجل الانعتاق من الاستعمار، وهو كفاح جسده شعار “الشعب بالعرش والعرش بالشعب”، إذ حصل تقارب بين رواد الحركة الوطنية والسلطان محمد الخامس الذي كانوا ينادونه سيدي محمد بن يوسف،  بين 1930 و1955، حينما رفض التعاون مع الاستعمار الفرنسي الذي أراد الإجهاز على المقاومة، فلم يتمكن من ذلك، ما أدى إلى نفي الأسرة العلوية .
وفي خضم الصراع ضد المستعمر اتفق رواد الحركة الوطنية والسلطان محمد الخامس، على الاحتفال بعيد العرش في 1934 بمقتضى قرار وزاري صادر عن محمد المقري الصدر الأعظم، الذي كان يعد الوزير الأول في الحكومة المخزنية، ومؤشر عليه من قبل المقيم العام الفرنسي هنري بونسو، وتم نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 2 نونبر 1934.
وتطور الاحتفال بعيد العرش إلى رفض مقترحات الحماية الفرنسية التي كانت تسعى إلى تعويض محمد الخامس، بمحمد بن عرفة، فاشتدت المقاومة إلى طلب  جلاء الاستعمار، وعودة الأسرة العلوية، وإطلاق سراح رواد الحركة الوطنية من مختلف السجون وعودة المنفيين، ما أدى إلى الاستمرار في توطيد العلاقة المباشرة بين الشعب والعرش العلوي وتجديد بيعته لملك البلاد، بصفته أميرا للمؤمنين ورئيس الدولة وممثلها الأسمى، سيما أن البيعة أضحت في المغرب اليوم ميثاقا دستوريا يقوم على الإخلاص.
 ولم يقع تغيير كبير في كيفية إجراء طقوس البيعة التي يقدمها ممثلو مختلف جهات المملكة، خلال حفل الولاء تجسد العمق التاريخي والحضاري، الذي يتميز به المغرب، إذ كانت هيأة من العلماء تبايع الملوك في المغرب، منذ أزيد من 12 قرنا، والتي استمرت مع الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، ومع الملك محمد السادس.

السيارة والحصان.. والالتزام بطقوس حفل الولاء

لم يكن مشهد خروج الملك لتلقي البيعة في المشور السعيد على متن سيارة أول تغيير يقدم عليه الملك محمد السادس منذ توليه مقاليد الحكم في البلاد، إذ بدا متحررا من الالتزام بعادات البلاط بعد بضع سنوات من جلوسه على العرش، إذ يترك لضيفه أن يسلم عليه بالطريقة التي يريد هو سواء بتقبيل اليد، كما كان يصر والده الملك الراحل الحسن الثاني، أو على الكتف، أو يد بيد، دون أن يستتبع هذا السلوك أي عقاب بخلاف السابق.
وحرص الملك الراحل الحسن الثاني، على احترام أدق تفاصيل ” التقاليد المرعية” لدار المخزن، بإطلاق بخور ” العود لقماري” القح وارتداء لباس جديد لم يسبق له أن ارتداه، وإضفاء طابع القداسة على حفل الولاء في فترة حكمه، من خلال ترك المبايعين ينتظرون لأزيد من 4 ساعات في جو لطيف في 3 مارس من كل سنة، بينما اتجه سلفه محمد السادس إلى تقليص وقت الحفل إلى أقصى حدود ممكنة، مع الاحتفاظ بجوهر الاحتفالية.

” الله يبارك في عمر سيدي”

ولا يزال “العبيد” المشاورية جزءا لا تجزأ من حفل الولاء، فضلا عن الخدم الذين يرافقون الملك وهو يمتطي صهوة جواده العربي، أو يركب السيارة، وتظلله مظلة باللونين الأحمر أو الأخضر، والتي ترافقه منذ خروجه من باب القصر حتى نهاية مراسيم الحفل، ثم تتقدم أفواج من المسؤولين يرتدون أزياء تقليدية بيضاء، لتحية الملك عبر انحناءات متكررة ومتتالية.
وينقسم العبيد المرافقون للملك إلى “المشاورية”، الذين يرددون عبارة “الله يبارك في عمر سيدي”، و”الله يرضي عليكم قاليكم سيدي” و”تلقاو الخير قاليكم سيدي”، وآخرون من أصحاب الرماح الذين يصطفون أمام الملك.

احتفالات تدوم أياما في عهد الحسن الثاني
حول الملك الراحل الحسن الثاني، عيد العرش الوطني، إلى أكبر من عيد عاد يتنافس فيه الفنانون على كتابة الأغاني وتلحينها والمشاركة جماعيا في تقديم ملاحم وطنية، تبث على شاشة القناة الأولى طيلة أسبوع ليل نهار، ويرقص على نغماتها المغاربة مرددين عاش الملك.
 ويطلب من الولاة والعمال والقياد والمقدمين والباشاوات بجمع المواطنين للاصطفاف في الشوارع التي سيمر منها الموكب الملكي قبل العيد، كما يطلب من الولايات والعمالات جمع التجار والحرفيين والصناع التقليديين، والأعيان والأغنياء كي يقيموا حفلات كبرى يتناول فيها الشاي والحلويات ويرقصون فيها عبر أهازيج وطنية بل منهم من يستضيف مجموعات غنائية للشيخات، وفي كل حي وزقاق تجد حفلات تصنع بأغصان الأشجار التي تساقطت في الخريف، والتي تم قطعها من قبل مسؤولي الولايات، هكذا كان الناس يرقصون ويغنون، بل حتى الأطفال يصنعون عشا صغيرا من خيم الأغطية للاحتفال بعيد العرش، فيما تزين الشوارع الكبرى بالمصابيح ذات الألوان المختلفة والأعلام الوطنية، ويطلب من كل دار وضع العلم الوطني على شرفات المنازل ومن فوق الأسطح.
وينتظر المنتخبون ومديرو المؤسسات التعليمية والمؤسسات الوطنية، الخطاب الملكي، إذ يقفون صفا واحدا بعد انطلاق النشيد الوطني مرددين كل كلمة فيه إلى آخرها الله الوطن الملك.
وبحلول عيد العرش، ملايين الأعلام الحمراء تعو بيوت المملكة بمدنها وقراها وجبالها وجنبات شواطئها، إذ تبدو الحياة بهيجة والمواطنون في أحلى أيامهم، وتتوقف الدراسة والعمل فيما يتنافس الشعراء لإلقاء قصائدهم الوطنية والحماسية والمدحية، إذ لا يوجد حي ولا دوار دون منصة للاحتفال، فيما ارتدت الجدران البياض بعد طلائها ب” الجير” الذي لا تسلم منه حتى الاشجار وتصاحب ذلك برامج تلفزية لا تتوقف عن إبراز ثمار الديمقراطية الحسنية، وعهد البناء والحسن الباني، لمغرب المؤسسات المتجدد .
استمرار طقس الأوسمة بأنواعها
 
يقام حفل يعطي فيه الملك أوسمة ملكية لبعض الشخصيات الوطنية والأجنبية، تقديرا لجهودهم وحبهم لدولة المغرب، وهذه الأوسمة حسب ما نص عليه هي: وسام الحمالة الكبرى، وهو وسام العرش من الدرجة الممتازة، ويمنح لرؤساء الدول فقط. ووسام القائد، وهو وسام العرش من الدرجة الثانية. ووسام الضابط، وهو وسام العرش من الدرجة الثالثة.و وسام الفارس، وهو وسام العرش من الدرجة الرابعة.
 يلقي الملك خطاب العرش، باختيار موضوع يستأثر باهتمام الشعب المغربي، عبر التذكير بما سنه من مخطط إصلاحي في جميع الميادين، وما ينوي القيام به استجابة لمطالب الشعب المغربي، مع تقريع لمؤسسات دستورية ارتكبت أخطاء ما سواء الحكومة أو البرلمان، أو منتخبي الجهات والبلديات.
 ويأتي بعد ذلك العشاء الملكي وتأدية القسم، إذ تتم دعوة كبار الدولة من السفراء والوزراء والأجانب من شتى المجالات، الثقافية والاقتصادية والسياسية إلى حفل عشاء ملكي فاخر، ويتم تقديم العشاء -أو مائدة الإفطار إذا صادف رمضان، وفي اليوم التالي للعيد (في الحادي والثلاثين من يوليوز) يقوم الملك بإلقاء خطاب بصفته رئيس أركان القوات المسلحة الملكية، ثم يؤدي الضباط الخريجون القسم أمامه، ويستعرضون التحيات العسكرية أمام الملك، وبعدها يقوم الأمير مولاي رشيد بترؤس مأدبة عشاء للاحتفال بالضباط، والذي غالبا ما يقام في نادي الضباط.

المبايعة والمشور السعيد

يلبس الملك لباسا تقليديا، ويركب الفرس، ويمشي في الشارع الرئيسي المجاور للقصر وهذا ما يسمى بالمشور السعيد، ويتبعه خدام القصر والفرسان، ثم تتم تأدية تحية الولاء للملك، ويقوم مقدم الحفل بترديد عبارات مشهورة للمبايعة كل سنة في الموعد نفسه، ولا يركع الناس في المبايعة ولاء للملك كما يقول البعض، إنما يصطفون بترتيب معين محدد سلفا لتقديم الولاء ومبايعة الملك بطريقة تقليدية، إذ يرتدي المبايعون جلبابا أبيض وينحنون لأداء البيعة للملك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى