الأولى

رحيل الظلمي… الأسطورة لا تموت

فيلسوف الكرة وقائد جوقة الموسيقيين “العازفين” غادر ملعب الحياة شامخا

الأسطورة لا تموت. أبدا، فقد تغيب عن الذاكرة للحظات، فنحزن ونتألم ونترحم عليها، ثم تنبعث من رمادها، مثل طائر الفينيق، فنبتسم حين نتذكر معجزاتها، فكم من جماهير أسعدت، وقلوب أنعشت، وأفئدة هتفت بعشقها واستمتعت بشموخها… رحمك الله عبد المجيد الظلمي.
مات فيلسوف الكرة، وفي القلب غصة، فهو المتواضع والكتوم الذي فضل الانزواء، رافضا أضواء الشهرة، فظل عملاقا بحب الجماهير له، حتى أنه في حوار نادر له في 3 مارس 1989، لمناسبة إطلاق بث القناة الثانية، حمل «الميكروفون»، وحينها استغرب المشاهدون، لكنه اكتفى بابتسامة شكر بها الجميع، وعاد إلى «خلوته».
يحكي أحد المقربين من أيقونة الكرة المغربية، أنه استفسر الظلمي، لحظة منحه الملك محمد السادس فرصة أداء مناسك الحج، عن سبب عزوفه عن إجراء حوارات صحافية، فقال حكمته: «ما عساي قوله، يكفي ما يتحدث عنه الآخرون»، ثم اختفى مرة أخرى، مقاوما للشهرة بخجل نادر.
هو عملاق في أخلاقه، لم يشهر، يوما ما، سيفا، في وجه أعداء النجاح، كما لم يشعل حربا، وأقسى غضبه نظرات عتاب غامضة تصيب الأفئدة في مقتل، ففي السنوات الأخيرة أعلن عن حفل تكريمه أكثر من مرة، فتارة يتحدثون عن مشاركة فريق «بوكاجينيور» الأرجنتيني، وفي أخرى فريق برشلونة الإسباني، في حين ظل هو صامتا ومتعففا. عملاق في الكرة سحر القلوب، فأنصفته، إذ يتذكر أبناء درب السلطان لحظة انتقاله، في أواسط الثمانينات، للعب من الرجاء إلى جمعية الحليب، في قرار يثير العواصف، لكن نبله وبساطته شفعا له، فانتقلت الجماهير لتشجيعه بملعب «تيسيما»، وسرعان ما طويت الصفحة بإعلان اندماج الفريقين.
سيذرف عشاق الكرة المستديرة دموع فراق الظلمي، ويستعيد المقربون ذكرياتهم مع لاعب استمتع وأمتع شعبا بأكمله، لحظة الانتصار على منتخب البرتغال في كأس العالم، ويتحدثون عن تمريراته الدقيقة، ومراوغاته المثيرة، وقتاليته، ولن ينسوا، أبدا، لاعبا بقلب متسامح استحق عليه جائزة «اللعب النظيف» من اليونسكو، إذ لم يتلق طيلة 20 سنة من اللعب ورقة حمراء، ولم يجادل حكما ولا تشاجر مع لاعب.
لن يغيب الظلمي، فهو الأسطورة… يداعب الكرة ويبتسم، يقاتل بجسده النحيل لاسترجاعها ويعانق خصمه، يمررها بدقة ثم يسابق الريح. رحم الله الظلمي، فقد سبق زمانه، في نبل الأخلاق وفي التواضع، وفي عشق المستديرة التي لم يكن يهمه ما إن كان سيجني منها الأموال، بل همه مغازلتها على البساط الأخضر، و«إذلال» خصومه بمراوغاته الساحرة، و«قناطره» التي تفوق ما أنجزته وزارات التجهيز، ليمد زملاءه بكرات صنعت مجد بعضهم بسخاء حاتمي ، مثلما صنعت مجده الذي جعل وقع رحيله المفاجئ صادما وحزينا.
جيل الظلمي كانت الكرة بالنسبة إليه توأما سياميا مع الفن، لم تكن المستديرة مجرد رياضة ومجهود عضلي، بل عملية ذهنية وجمالية، تكتسح فيه الفرجة كل المساحات ل«تسقي» عيون المتفرجين الذين كانوا يستمتعون بالمايسترو وهو يقود جوقة الموسيقيين العازفين على الكرة.
خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق