fbpx
مجتمع

قصبة بولعوان … انهيار تاريخ

معقل السلطان مولاي إسماعيل يتعرض إلى التهميش والجحود ومحاولات يائسة للترميم

ليست بولعوان بحاجة إلى أن يتردد اسمها بفعل تفكيك خلايا مسلحة، ولا أيضا بنبيذها المعتق الذي سارت بذكره الركبان، وإنما شهرة المنطقة تستمدها من قصبتها التاريخية التي تربو عن 300 سنة تختزن جزءا هاما من الذاكرة المغربية المشتركة. قصبة بولعوان التي تلوح فوق ربوة عالية، الآن عبارة عن أطلال تشهد أن التاريخ مر في يوم ما بهذا المكان الذي تنتهك رمزيته بشكل متواصل في أبشع صور الإهمال.

تقع القصبة على بعد مسيرة 85 كيلومترا جنوب شرق الجديدة في بلاد قبيلة أولاد افرج. ذكرت المصادر أن بناءها تم على يد السلطان مولاي إسماعيل في 1122 هجرية الموافق لـ1710 ميلادية على يد وصيفه السعيد الباشا عثمان بن الخياط. وتذهب مصادر أخرى إلى القول إن القصبة بناها عبد المومن الموحدي وأنها هدمت بالغزو البرتغالي وأعاد المولى إسماعيل بناءها من جديد، في إطار سياسة القصبات التي تروم خلق حكم مركزي قوي عبر اتخاذ القصبة كيان مراقبة القبائل والتصدي لعصيانها، وفي هذا الصدد شيدت قصبة بولعوان في مكان عال مطل على نهر أم الربيع، لضبط تحركات ثلاث وحدات قبلية هي دكالة والشاوية والرحامنة.

واقع الحال
من بعيد تظهر القصبة هائلة البنيان عبارة عن أطلال تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد، شاهدة على اندثار باب السر والبرج الكبير والحصن الأمامي والأبراج الأربعة والمنزل الفسيح الذي نزل به الملك العلوي مولاي عبدالله سنة 1744 عندما طارد أخاه المستضيء.

وأنت تتجول في القصبة المستطيلة الشكل، تصادفك حفر هنا وهناك، يشرحها حارس القصبة، بمسلسل انتهاك حرمتها من قبل عصابات الكنوز.
فلم تعد القصبة بمثل شموخ الماضي، بل تناثرت حجارة أسوارها في أكوام، هي وبكل تأكيد شهادة وفاة لها باعتبارها واحدة من أهم القصبات التاريخية ببلادنا.

حديث عن الترميم

في صيف 1994، أطلق إدريس البصري، وزير الداخلية الأسبق من مقر عمالة الجديدة، صيحة مدوية لترميم القصبة، ربطها بنيته في ضمها إلى النفوذ الترابي للشاوية وهي نيته نفسها لإضافة البير الجديد إلى تراب سيدي رحال، لكن الوزير القوي يومذاك لم يلمس ترحيبا من أهل دكالة، فتحول الترميم إلى مجرد مشروع موقوف التنفيذ لم يراوح مكانه منذ 23 سنة، رغم أن قصبة بولعوان صنفت تراثا وطنيا بواسطة ظهير صدر في 11 مارس 1924 بالجريدة الرسمية عدد 599 بتاريخ أبريل 1924.

ويستنهض جمعويون بعض الهمم للدفاع عن تصنيف القصبة تراثا إنسانيا لعله المسلك الوحيد الذي يتم العبور من خلاله نحو إعادة الاعتبار لها.

الثقافة والتجهيز غائبان

في الوقت الذي حظيت قصبات أخرى في مناطق بالجنوب المغربي خاصة بالتفاتات، قومت واقعها بتدخلات مدروسة علميا حتى لا تسيء بعض مبادرات الترميم للطبيعة الأصلية لها، اعتمدت بعض الترميمات الجزئية التي عرفها سقف المدخل الرئيسي لقصبة بولعوان على الإسمنت، ما أساء لقيمتها التاريخية.
وتظل وزارة الثقافة ووزارة الاتصال والتجهيز والنقل أكبر القطاعات الحكومية التي أدارت ظهرها للقصبة، الأولى من منطلق أنها لم تنقل وعود الترميم من حالة السكون إلى الحركة بمبرر أن وزارة الثقافة تعد من أفقر الوزارات، والثانية ساهمت بعدم التعجيل بإصلاح الطريق الرابطة بين الجديدة وبولعوان التي تدهورت بشكل كبير، ما أضعف توافد زوار وسياح كانوا يتملون بطلعة القصبة، كما أن مندوبية عبد العظيم الحافي رفعت علما أبيض في وجه معتدين خربوا غابة بولعوان المترامية الأطراف، برعي جائر وبتقطيع خشبها لأغراض متعددة منها التدفئة وتسخيرها في الأفران والحمامات.

وصمة عار

في ما يشبه الختم ونحن نستعد لمغادرة القصبة توقفت سيارة ذات لوحة صفراء تابعة إلى إحدى البعثات الدبلوماسية، ترجل منها أجنبي ومرافقته، وجها تحية إلى حارس القصبة وبادره الأجنبي بالقول متأسفا ” نحن الآن لا نستمتع بالتاريخ ولكن نعاين انهيار التاريخ”.
ظل رجع صدى كلمات الفرنسي يتردد بكل القصبة الخالية، وتمنينا أن يصل إلى آذان كل المسؤولين التي بها صمم.

عبدالله غيتومي (الجديدة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى