fbpx
خاص

3 مارس…ليس من رأى كمن سمع

قياد وحرفيون وموائد الشواء و”الشيخات” وطقوس الاحتفال النادرة

لا تشبه احتفالات عيد العرش، في عهد الحسن الثاني، بالحي المحمدي بالبيضاء مثيلاتها، ففي ثالث مارس من كل سنة يرتدي الحي أبهى حلته، ويتسابق سكانه إلى الاستمتاع بالحفلات الفنية، وتنتعش التجارة بالقيسارية الشهيرة، ويدب النشاط في “المقدمين”.
لا يحتاج سكان الحي المحمدي إلى تذكيرهم باقتراب عيد العرش، فيكفي معاينة جولات “المقدمين” على الأحياء والأزقة والمقاهي ودعوتهم إلى رفع الأعلام على شرفات المنازل، حتى تتأكد أن تباشير عيد العرش اقتربت، وأن المنطقة ستنزع عنها زي الإهمال واللامبالاة لأيام لا صوت فيها يعلو على الأغاني الوطنية.
لا يجادل أحد في رفع الأعلام الوطنية، حتى في أشد الفترات توترا بالحي المحمدي، إذ يتذكر أبناء الحي محلا تجاريا بأهم شارع يحمل اسم “الجماهير” هشمت واجهته الزجاجية، في أحداث 1981، ورغم ذلك ظل يستجيب لطلب رفع الأعلام الوطنية كل سنة، ولا يصلح الواجهة.
قبل عيد العرش بأيام قليلة، يبسط اللون الأحمر نفوذه بالحي المحمدي، فالأعلام الوطنية ترفرف في كاريان سانطرال، وسينما “شريف”، ومنازل بلوك “كاسطور” و”الكدية”، وشارع الحزام الكبير، والمحلات التجارية بالقيسارية، ومقهى “الطاس” بملعب “الحفرة”، وإن سها بعضهم يتدخل أعوان السلطة لتنبيهه أو إنذاره، حسب قربه أو بعده من السلطة.
يطرد سكان الحي الرتابة عن حياتهم اليومية، فزبناء المقاهي يتطلعون إلى شاشة التلفزيون القديمة مشدوهين إلى خطبة المذيع مصطفى العلوي، وهو يردد عبارته :”تربع الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين الميامين”، أو يذكر أن الشعب المغربي “خرج عن بكرة أبيه ليعبر عن تشبثه بأهداب العرش العلوي المجيد”، ثم يتطلع الزبناء إلى الشوارع فيرون همة العمال في تثبيت لافتات النقابات والأحزاب التي تعلن سعادتها بحلول عيد العرش.
تنتعش الحركة التجارية بالحي المحمدي، فبائعو الأثواب يحققون رقم معاملات قياسيا، نظرا لكثرة الطلب عليها واستعمالها لافتات بالأزقة، ورسامو دار الشباب يستمتعون بريشاتهم، وهي تخط كلمات بالخط العربي على الجدران واللافتات لتهنئة الملك، والمجموعات الغنائية تواصل تداريبها قبل انطلاق الحفلات رسميا، والصباغون ينهمكون بطلاء جدران بعض المؤسسات العمومية، مثل المصحة والمدارس، وعمال النظافة يطردون خمولهم، فيجمعون الأزبال…إنه الحي المحمدي الأنيق الذي يبدو كأنه آلة ضخمة أجبرته على الاستحمام.
تعود الابتسامة إلى التلاميذ الفرحين بالعطلة، ثم تعلن إدارة مؤسسات تعليمية المشاركة في مسيرة احتفالية يرفع فيها التلاميذ الأعلام الوطنية، وتستعد الجمعيات التربوية للحدث الكبير، فيرتدي أعضاؤها ملابس ملونة ومثيرة، ويحمل آخرون طبولا ومزامير، ويقف المشاهدون، خلف سياجات حديدية ينتظرون مرور شاحنات الحليب التي توزع كميات منه بالمجان.
في شارع علي يعتة، قرب المقهى فم الحصن الشهيرة، تخصص العمالة جزءا كبيرا من المساحة لإقامة الاحتفالات.. ثلاثة أيام من الأغاني والمجموعات الغنائية والأكل ومسيرات النساء وهن يقفن أمام الحواجز الحديدية في انتظار بداية الحفلات الغنائية.
يوزع شارع علي يعتة، القريب من مقهى فم الحصن، على عدة خيام كبيرة، كل واحدة منها في ملكية نقابات عمالية أو حرفيين يتكلفون بجلب مجموعات غنائية لإحياء الحفلات، وتشعر السكان بالغبن، وهم يرون المحظوظين يلجون إلى داخل الخيمة، تجنبا لأشعة الشمس الحارقة، واستمتاعا بالحفلة الفنية بكؤوس الشاي والحلويات، والخراف المشوية.
تصطف الخيام على طول الشارع وأمامها منصات، حينها تتداخل أصوات “الشيخات” والمجموعات الغنائية التي تقلد ناس الغيوان والمشاهب وجيل جيلالة، أما مالكو محلات المواد الغذائية، فيختارون، عادة، مجموعات أحيدوس وأحواش، فكل الأذواق الفنية تجتمع بالشارع، لكنها تتلاشى مع صراخ نسوة من رجل تحرش بهن وصياح باعة “طايب وهاري” وحلوى “التفاح المعسل”.
لا تنتهي الحفلات الفنية إلا في ساعة متأخرة من الليل، حين يبسط السكارى نفوذهم على المنطقة، فالاحتفال بالنسبة إلى بعض الفئات يبيح المحظورات، في حين يكتفي أفراد القوات المساعدة ومركبتهم الخضراء اللون بالمراقبة، وقلما يتدخلون لإيقاف لص لم يمنح لأنامله الرشيقة عطلة العيد.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى