fbpx
بانوراما

احتميت من الرصاص بـ”كمانجة”

اللوز… حديث “الطعريجة”

غنينا وسط مسبح ثكنة بطانطان بسبب عطل في «السونور»
شهادة الفنان محمد اللوز، ليست مجرد كرونولوجيا عادية لحياته ومساره الفني، بل تأريخ مصغر لحقبة اعتبرت الأغنى فنيا في تاريخ الموسيقى المغربية، أي سنوات السبعينات والثمانينات.
تكشف هذه الحلقات أحد أهم صناع القرار الفني، وهو الملك الراحل الحسن الثاني ودوره في تطوير الأغنية المغربية، كما تقف أيضا عند مغامرات ظلت طي الكتمان لفنانين كادوا أن يفقدوا حياتهم في جبهات القتال بالصحراء المغربية.

إعداد: مصطفى لطفي
كنا في سهرة تنغير مع الراحل القدميري والثنائي الزعري والدسوكين. وخلال إنشادنا أغنية «أ لولاد أ لولاد.. علاش هجرتو البلاد، فين الوعد فين الميعاد…»، تقدم قرب المنصة شرطي كان يخبئ مسدسا في قبعته. توجه نحو الكراسي الأمامية بخطوات حذرة، قبل أن يقصد امرأة ويطلق رصاصة صوب قلبها، قتلها في الحين، وأطلق ثانية على فتاة نجت من الموت بعد فرارها.
عمت الفوضى مكان السهرة، وتصاعد صياح الجمهور، بعضهم فر قفزا من السور وتدافع آخرون نحو البوابة الرئيسية. قبل أن تتدخل عناصر القوات المساعدة، التي شلت حركة الشرطي واعتقلته.
لم نفهم ما حدث، اختبأ بعض أعضاء المجموعة تحت الخشبة وآخرون فروا إلى الكواليس، ما أتذكره أنني كنت أعزف على «الطعريجة»، فوجدت نفسي على الأرض محتضنا «كمانجة» بعد أن نزعتها من الراحل جدور، دون وعي.
كان الراحل القدميري، لحظة إطلاق النار، في الكواليس، يستفسر عما وقع، وهو يحاول ارتداء سروال «قندريسي»، وبسبب الخوف والارتباك، كان يدخل رجليه معا في فتحة واحدة.
لم نعرف ما وقع، اعتقدنا في البداية أن «بوليساريو» هاجمت المدينة، لكن تبين في ما بعد أن القتيلة زوجة الشرطي، استغلت انتقاله إلى البيضاء للقيام بمهمة، فخانته مع شخصية مهمة بالمنطقة، علم أنها ستحضر السهرة، رفقة خليلها، فقرر التخلص منهما، لكن لحسن حظ الخليل، أنه غاب لأسباب مجهولة.
الحفلات بالصحراء كان لها طعم خاص. في مناسبة أقمنا حفلا بالسمارة، وخلال عزفنا، كانت تحلق فوقنا طائرات «الميراج» للقيام بغارات على «بوليساريو». كانت تستقبل الطائرات بالزغاريد وصيحات الجمهور لها بالتوفيق والنصر، كان منظرا رائعا، أضفى حماسة أكبر على الحفل، بعدها كنا نسمع صوت القصف، ومع ذلك كنا نواصل عزفنا دون توقف.
العمل في المناطق الجنوبية، كانت له خصوصيته، بالنهار نحيي سهرات للجنود داخل ثكناتهم، وبالليل نحيي سهرات لسكان المدن الصحراوية، اللهم في مناسبة، استدعينا لإحياء سهرة بطانطان، فطلب منا الغناء نهارا لسكان المدينة على أن ننتقل إلى ثكنة بالضواحي ليلا.
تأخرنا في طريقنا إلى الثكنة مع أذان المغرب، وصادف ذلك، صدور تعليمات عسكرية، بعدم إشعال المصابيح. كان جهاز تكبير الصوت أو «سونور»، معطلا، فتطوع شخص لإصلاحه، فتسبب في إتلافه بالمرة.
وقعنا في موقف محرج، فجأة لاحظت وجود مسبح داخل الثكنة، فاقترحت أن ينزل أفراد «تكادة» إلى أسفل المسبح، على أن يحيط بنا الجنود من كل جانب، وقتها سيتحول المسبح إلى مكبر صوت طبيعي. فعلا نجحت الفكرة وأدينا حفلا رائعا لمدة ساعة، استعان فيها الجنود بالشموع و»البيلات» من أجل الإنارة.
المثير في هذه السهرة أننا كنا نعاين جنودا منهكين لمشاركتهم في عمليات عسكرية، ومع ذلك أصروا على حضور السهرة، والاستمتاع بأغانينا، كان يثيرنا مظهر الدماء على أسلحة وأزياء عدد منهم، ما يعني أنهم حلوا فورا من أرض المعركة، صراحة كانوا صبورين جدا.
تابع الجنود السهرة بالتناوب، فوج يتابع سهراتنا لمدة من الزمن، قبل أن يغادر صوب المعركة، ويحل محله فوج آخر، الذي يغادر بدوره، ويحل فوج ثالث، وهكذا دواليك، كان الهدف من هذه العملية، استفادة جميع الجنود من لحظات الترفيه والاستمتاع بالموسيقى.
كان من الصعب في البداية الترفيه عن الجنود وإدخالهم عالم السهرة، فهموم الحرب وما يشاهده الجندي على أرض المعركة، واحتمال أنه قد يستشهد في لحظة، تجعله في وضع نفسي صعب، يحتاج إلى وقت يصل إلى 20 دقيقة، حتى يدب فيه «النشاط»، وتزول عنه هموم المعارك والقتل. فعلا نجحنا في مهمتنا، التي كانت تتم في أغلبها دون مقابل، وحتى لو حصلنا على تعويض يكون هزيلا، وعليك انتظار أشهر لتسلمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى