fbpx
بانوراما

“كذلك كان”… خبايا الإنصاف والمصالحة

بعد أكثر من عشر سنوات من انتهاء أشغالها وتقديم التقرير الختامي لهيأة الإنصاف والمصالحة، خرج اثنان من أبرز أعضائها بكتاب مذكرات يتضمن تفاصيل مثيرة من أشغال تلك الهيأة، في تجربة هي الأولى من نوعها في توثيق وكشف خبايا محطات هامة من التاريخ الحديث للمغرب. محطات نبشت في ذكريات عميقة أعاد مؤلفا «كذلك كان»، مبارك بودرقة وأحمد شوقي بنيوب،  سرد تفاصيلها، وجعلت القارئ يعود سنوات إلى الوراء، يستحضر معاناة سنوات الرصاص. مذكرات «كذلك كان»، التي نقلت جوانب كثيرة من تجربة الإنصاف والمصالحة، نقلت قصصا مثيرة، بدءا من المخاض العسير الذي رافق إحداث هيأة الإنصاف والمصالحة وتحدي الكشف عن الحقيقة، والرحلة الكبرى إلى الصحراء، باعتبارها أول عملية جراحية بمبضع معايير حقوق الإنسان.
في ما يلي بعض من أقوى المشاهد التي نقلها صاحبا الكتاب.
إعداد: هجر المغلي
الحلقة الأولى   

هيـأة الإنصـاف… مخـاض عسيـر

يوم 9 يوليوز 2003، عقد فريق العمل المكلف بالتصدي للانتهاكات وحماية حقوق الإنسان، على صعيد المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، اجتماعا بفندق حسان بالرباط، للنظر  في آخر الترتيبات المتعلقة بتقديم مشروع توصية هيأة الإنصاف والمصالحة.
كانت الأصداء تبعث على القلق، فهناك من يعترض أصلا على وضعها في جدول الأعمال بسبب المناخ الذي يتميز بتصدي أجهزة وسلطات الدولة لمخلفات أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية بالدار البيضاء. وهناك من يرى ضرورة التريث وأخذ الوقت الكافي، ويقترح تأجيلها إلى دورة مقبلة. يؤكد المؤلفان أنه «عموما كانت الأجواء مشوبة بالتردد والحذر». أخبر شوقي بنيوب فريق العمل الذي كان يضم عائشة خمليش وآسية الوديع وفطومة قدامة وامبارك بودرقة ومصطفى اليزناسي ومصطفى الرميد والمحجوب الهيبة ومحمد أمين الفشتالي وعبد الرزاق أفيلال، ومحمد أديب وعبد الرزاق روان، بآخر الترتيبات المتخذة استعدادا لدورة المجلس المنعقدة في اليومين المواليين (10و11 يوليوز2003).
قبيل انطلاق الاجتماع، ربط شوقي الاتصال بالرئيس عمر عزيمان واتفقا على ضرورة ألا تتجاوز المدة الزمنية المخصصة لعرض التوصية 45 دقيقة، قبل أن يلتحق بهما المستشار الملكي محمد المعتصم، الذي بادر شوقي بالقول، بمجرد أن ظلا بمفردهما «إننا جميعا في سفينة واحدة، وإن أصحاب مبادرة التوصية هم الربابنة، المهم اليوم هو أن ينطلق النقاش حولها، وليس من الضروري أن يحسم أمرها»، إذ بدا أن الرجل كان مطلعا على الوضع وعلى أجواء التوتر التي شابته، قبل أن يطمئنه شوقي بأن التوصية تضمن أغلبيتها حتى قبل انطلاق الأشغال، «وأن الاعتراض عليها يهم أصحابه»، على اعتبار أن ربع الأعضاء هم أصحاب التوصية والربع الثاني مؤيدون مطلقون.
بمجرد انطلاق الدورة، تدخل وزير العدل آنذاك، مقدما للمعترضين على إدراج التوصية في جدوى الأعمال، فتوى تأجيلها، مذكرا بمناخ التصدي إلى الإرهاب وخطورته وآثاره في إرباك جهود أعمال النيابة العامة بالمحاكم والأجهزة، مطالبا بإرجاء البت فيها. ساد صمت حذر قبل أن يتدخل عزيمان، مؤكدا أن موافقة جلالة الملك تمت على جدول الأعمال الذي أصبح رسميا. استمر النقاش بين معارضين ومؤيدين لإدراج التوصية وتناسلت التدخلات التي كانت تعكس عديد الآراء والأسئلة المثارة في مستويات من الدولة والمجتمع حول ماضي الانتهاكات، ليخلص عزيمان إلى مقترح تشكيل لجنة تكون مهمتها إعادة صياغة وإغناء التوصية.
منذ ذلك الحين انعقدت لقاءات لتعميق التفكير حول سبل تدبير الحوار في اللجنة الخاصة وتحديد سقف الحد الأدنى، الذي يضم كل ما يدخل في إطار الكشف عن الحقيقة واعتماد أساس معياري لتوصيف الانتهاكات وجبر الضرر وإعداد تقرير ختامي بضمانات عدم التكرار، فيما استمر معارضو الفكرة، الذين كان من بينهم أيضا المحجوبي أحرضان بتقديم تبريراتهم، فالأخير استند في موقفه على «من نتهم. هل الدولة أم الذين قاموا بالجرائم؟ إذا رجعنا إلى الوراء سنغرق، فنحن لا علاقة لنا ببعض ما يطرح من تجارب دول أخرى كألمانيا أو الشيلي أو الأرجنتين».
ستظل الأجواء المشحونة على حالها لأشهر، استمرت معها النقاشات حول كل ما يتصل بالتوصية وبالهيأة وبتسميتها وأعضائها وطبيعة عملها وحدود تدخلها، إلى أن أعاد الخطاب الملكي لمناسبة تنصيب هيأة الإنصاف والمصالحة الأمور إلى نصابها موضحا «نعتبر هيأتكم بمثابة لجنة للحقيقة والإنصاف والمصالحة»، معلنا ميلاد الهيأة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى