fbpx
بانوراما

نظرتنا إلى الفقه أنتجت التطرف

الآراء المدونة باسم الفقه الإسلامي ظنية وفردية في فهم نصوص الوحي
نقد الفكر الفقهي

(8)

يعتبر أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية والفقيه القانوني، من بين المفكرين الذين جمعوا ما بين نظريات القانون الوضعي ومبادئه وأصول الفقه الشرعي، له سلسلة من وجهات النظر التي تناول فيها عددا من القضايا المعاصرة المطروحة على الفكر الفقهي. ويطرح المفكر المخضرم العديد من الأسئلة، المحرجة في بعض الأحيان، حول أسباب جمود الفقهي وتعليق الاجتهاد، ويتساءل في بعض وجهات نظره لماذا يشتغل الآلاف بدراسة أصول الفقه ولا ينتجون فقها، ولماذا لا يهتم دارسو الفقه الإسلامي والباحثون فيه بوقائع الحياة كما يعيشها الناس ويساهمون في تحليل عناصرها واقتراح الحلول الملائمة لها؟ تحاول “الصباح” في حوار مع المفكر أحمد الخمليشي، سينشر عبر حلقات، تقديم أهم ما جاء في نقده للفكر الفقهي.
أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي

< كيف تحولت اجتهادات فردية إلى "أحكام الشريعة" الواجب على المسلمين تطبيقها؟
< إن الآراء المدونة باسم "الفقه الإسلامي" هي آراء ظنية وفردية في فهم وتفسير نصوص الوحي وهي محكومة بغاياتها من درء المفاسد وجلب المصالح وبملابسات زمن صدورها ومكانه.
هذا هو المقرر في أصول الفقه، والأفراد يختلفون قطعا في أفهامهم وآرائهم إلى حد التناقض، لذلك كان المنطق العقلي يفرض عدم إضفاء الصفة الإلزامية عليها والاكتفاء بالاستئناس بها لتقرير الحكم أو الفهم المتوافق عليه امتثالا لأية "وأمرهم شورى بينهم"
لكن طبيعة الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة سمحت، بل ساعدت على الالتزام بآراء الأفراد وإن اختلفت وتناقضت، سيما أن تنظيم "مؤسسة الشورى" لم تكن عناصره متوفرة. ومع مرور الزمن، ولأسباب سياسية وغير سياسية، اعتبرت آراء بعض الفقهاء "مذاهب" تشكل تفسيرا كاملا ونهائيا لنصوص الوحي، وأدمجت كل الكتابات الفقهية من بعد في أحد تلك المذاهب دون تمييز بين من توفرت فيه شروط الاجتهاد ومن لم تتوفر فيه من أصحاب هذه الكتابات التي أصبحت مع الزمن تحمل اسم "أحكام الشريعة" الواجب على المسلمين تطبيقها.
هكذا تحول مفهوم الفقه من الرأي الفردي الظني القابل للمراجعة مراعاة لعلة الحكم وظروف الزمن والمكان إلى "حكم الشريعة" الذي يجب الامتثال له أبد الدهر رغم التداول النظري لمصطلح "الاجتهاد" الذي أصبح متعذرا في الواقع بحكم عدم وجود وسيلة لاكتساب صفة "مجتهد".

< ألم يؤد ذلك إلى اعتبار كل التشريعات المعاصرة مخالفة لشريعة الإسلام؟
< بالفعل أدى الاعتقاد بأن أحكام الشريعة هو ما قال به السابقون إلى اعتبار كل تشريعات الدول الإسلامية التي تنظم بها مصالح مجتمعاتنا "قانونا وضعيا" مخالفا لشريعة الإسلام. وعلى مصطلح "القانون الوضعي" أسس تكفير الحكام والمجتمعات الإسلامية ونتائج ذلك لا تحتاج إلى بيان.
لذلك عندما نتحدث عن إنتاج الأفكار المتطرفة، فإن القصد هو علاقة هذه الأفكار بالنظرة التي ترى أن كل ما قيل قديما باسم الفقه هو شريعة الله النافذة إلى يوم الدين وأن تغير الواقع وملابساته إضافة إلى أن نسبة مهمة من الذين كتبوا في "الفقه" لم يتحقق أحد من مدى توفرهم على "أهلية الاجتهاد".

< كيف السبيل للخروج من هذا المنزلق الفكري؟
< هذه النظرة للفقه هي التي تمثل المنزلق الذي نتخبط فيه، ويتعين أن نعالجه بصدق، فإلى حد الآن، سواء في كتاباتنا أو في مؤسسات التكوين أو في أبحاثنا، ما يزال الأمر أسيرا للنظرة غير المنتجة، التي تجعل، من جهة، الفقه القديم موازيا لأحكام الشريعة بصرف النظر عمن أنتجه والظروف التي أنتج فيها، علما أن هذه الظروف تؤثر على الأحكام، ولأنه بالتأكيد ليس كل من كتب في الفقه مجتهدا. ولا ننتبه إلى هذه الجوانب، فنستند إلى أي مرجع فقهي كتب قديما ونقول هذه أحكام الشريعة.
من جهة أخرى، من ينقل إلينا هذه الأحكام هو الفقيه أو العالم أو الشيخ، وثقافتنا كما أشرت تضفي عليه صفة المبلغ، وليس صفة المفسر ولا صفة الناقل ولا صفة المجتهد. وهكذا تختلط الأمور، بينما، بالنسبة إلى أجيالنا المعاصرة، نبعد بسهولة أفكارهم من الوصف بالأحكام الشرعية بحجة أنهم ليسوا "مجتهدين". نعم ربما هؤلاء الذين يكتبون الآن قد تندمج آراؤهم في الفقه، بعد مرور سنوات عن وفاتهم، وهذه هي المفارقة التي لا ننتبه إليها، إذ أننا بهذا السلوك نكون نبحث عن الأحكام الفقهية للمستقبل وليس للحاضر، فالذين كتبوا في القرن الخامس أو العاشر نعتبر، حاليا، أن أحكامهم هي الشريعة، فهم كتبوا للمستقبل. والذين يكتبون الآن أحكامهم لا تعتبر من الشريعة وربما تعتبر بعد مضي فترة من الزمان على وفاتهم "أحكاما شرعية"، إذا تأثرت الأجيال القادمة بسلوكنا نحن إزاء القدماء والمعاصرين من "الفقهاء".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى