fbpx
بانوراما

ثقافتنـا تمنـع الاجتهـاد

نقد الفكر الفقهي

7
يعتبر أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية والفقيه القانوني، من بين المفكرين الذين جمعوا ما بين نظريات القانون الوضعي ومبادئه وأصول الفقه الشرعي، له سلسلة من وجهات النظر التي تناول فيها عددا من القضايا المعاصرة المطروحة على الفكر الفقهي. ويطرح المفكر المخضرم العديد من الأسئلة، المحرجة في بعض الأحيان، حول أسباب جمود الفقهي وتعليق الاجتهاد، ويتساءل في بعض وجهات نظره لماذا يشتغل الآلاف بدراسة أصول الفقه ولا ينتجون فقها، ولماذا لا يهتم دارسو الفقه الإسلامي والباحثون فيه بوقائع الحياة كما يعيشها الناس ويساهمون في تحليل عناصرها واقتراح الحلول الملائمة لها؟ تحاول “الصباح” في حوار مع المفكر أحمد الخمليشي، سينشر عبر حلقات، تقديم أهم ما جاء في نقده للفكر الفقهي.
أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي

عندما يستمع المواطن العادي للفقيه يعتقد أنه يبلغ حكم الشريعة ولا ينقل رأيا اجتهاديا

< أشرتم في الحلقات السابقة إلى أن المذاهب الفقهية القديمة لم تكن مبنية على مبادئ قارة وأفكار مؤسسة، فماذا عن الفقه المعاصر؟
< السؤال حول الفقه المعاصر يبدو معقدا جدا، والسبب أننا في واقع الأمر نعيش تناقضا واضحا في التفكير والممارسة. نظريا نتحدث عن تجديد الاجتهاد وعن الاجتهاد المقاصدي وعن صلاحية الشريعة لكل زمن ومكان بحكم بناء أحكامها على تحقيق المصالح ودرء المفاسد، ودوران الأحكام مع عللها، ولذلك فإن الأحكام الاجتهادية ليست نهائية وإنما ظنية قابلة للتغيير بتغير الزمان والمكان.
لكن عمليا التكوين في مؤسسات التعليم والخطاب الديني بكل صوره يركز على «تبليغ» أن المنظومة الفقهية المتوارثة هي الشريعة وهي أحكامها، ومن يناقش أو يجادل في أي حكم من تلك المنظومة يعتبر مجادلا ومتطاولا على أحكام الشريعة ذاتها.
أما «المجتهد» فلا وجود له عمليا وغير قابل للوجود لغياب الوسيلة العملية لاكتساب الفقيه صفة الاجتهاد في حياته. وكان هذا قديما، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، وما يزال قائما إلى الآن داخل المغرب وخارجه.

< لكن هناك بعض الأشخاص الذين يفتون في أمور معاصرة، ألا يعتبرون في خانة المجتهدين؟
< هناك بعض الأشخاص الذين قد تكون لهم حاشية أو بعض الأتباع والمريدين يستمعون لآرائهم ويقلدونهم دون مناقشة لكن لا يمكن أن يصنفوا في خانة المجتهدين. فطريقة اكتساب صفة «المجتهد» في أصول الفقه غير قابلة للتحقق في عصرنا وفي ما سبقه من عصور. هذا ما يترتب عنه بصورة تلقائية أن الأحكام الفقهية المدونة هي ما قال به السابقون، علما أن الذين أنتجوا الفقه المدون كان بينهم من لا يستحق صفة «مجتهد»، لكن بعد وفاتهم ومرور السنين، يصبح كل ما كتب باسم الفقه فقها إسلاميا وأحكام الشريعة واجبة الطاعة. وهذا أمر لا بد أن نأخذه بعين الاعتبار عندما نتحدث عن الفكر المعاصر، يوجد فكر معاصر لكن لكي نطلق عليه اسم الفكر الفقهي يجب أن نطبق عليه ما يقول به الفقهاء بالنسبة إلى من يحق له أن ينطق بأحكام الشريعة. بالمقابل، كل من يعتبر نفسه عالما أو مفتيا أو شيخا، يصدر الأحكام، إذ يحلل ويحرم ويجيز ويمنع، الأدهى من ذلك أنه لا يفعل ذلك في حدود الجماعة التي يوجد فيها، بل يتحدث باسم الإسلام ويعمم خطابه على كل الشعوب الإسلامية.

< هل يمكن الحديث عن مدارس فقهية معاصرة في ظل ما سبق أن أشرتم إليه؟
< عندما نربط السؤال عن وجود مدارس فقهية معاصرة بالواقع نجد أن هناك مفارقة، إذ تتداول عبارات الفكر الفقهي أو الاجتهاد الفقهي، ولكن لا يقصد بها المعنى الاصطلاحي للفقه، الذي يعني «أحكام الشريعة»، لأن الفقه يجب أن يصدر عن المجتهد، الذي لا وجود له.
المفارقة الثانية أنه في ظل الثقافة السائدة كل شخص يمكن أن يكون عالما وفقيها ومفتيا. إذن نحن في وضعية يبدو فيها الخلل واضحا، وينبغي أن تراجع بمنطق العقل والواقعية. هذا الذي نسير عليه هو الذي أدى إلى حدوث كل هذه الكوارث في العالم الإسلامي، لأن هؤلاء يعمدون، باسم العالم أو الفقيه أو المفتي أو الشيخ، إلى آراء اجتهادية قيلت في أوقات أخرى. والثقافة السائدة أنه عندما يستمع المواطن العادي للفقيه أو الشيخ يعتقد أنه يبلغ حكم الشريعة ولا ينقل اجتهادا أو رأيا اجتهاديا، بل الفقيه نفسه يستعمل لغة التبليغ «لأحكام الله» في ما يحكيه من آراء اجتهادية رويت عن السابقين. هذا هو المشكل العويص الذي نعانيه. وأكثر من ذلك «الشيخ» أو «المفتي» أو «الفقيه» أو «العالم» لا يقتصر على نقل آراء قيلت في واقع اجتماعي آخر غير الذي نعيشه، وإنما يضيف التأكيد بأن كل القوانين التي تنظمون بها شؤونكم هي قوانين «وضعية» غير إسلامية. ومن هنا تناسل تكفير الحكام والمجتمعات والعنف الأعمى في كل مكان وضد كل الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى