fbpx
بانوراما

“هنريس” وكأس شاي في عيد الفطر

أوراق من سنوات الرصاص
لم يكن أحد يتوقع أن نضالات الجماهير الطلابية ستقود مجموعة بنوهاشم إلى المعتقلات السرية في 12 أبريل 1976، وأكثر من ذلك التعرض لأبشع أنواع التعذيب في مختلف المراكز السرية.كانت المجموعة آنذاك تتكون من طلبة لا تتجاوز أعمارهم 22 سنة، وهم عبد الرحمان قونسي وعبد الناصر بنوهاشم ومحمد النضراني ومحمد الرحوي ومولاي إدريس الحريزي.
يستحضر أحد أعضائها، عبد الرحمان قونسي، شريط الأحداث وتفاصيل الاختطاف والتعذيب والترهيب والتنكيل في أبشع صوره بمعتقلات “الكومبليكس” و”أكدز” و”قلعة مكونة” و”سكورة”.
إعداد: عيسى الكامحي

الحلقة الخامسة

محتجزة من الصحراء عمرها 11 سنة وأكثر من 20 كلبا لحراسة المعتقل

يواصل قونسي حديثه عن المختطفين الجدد “عرفنا، في ما بعد، أن المعتقلين الموجودين معنا يتحدرون من الأقاليم الصحراوية من مختلف الأعمار، رجالا ونساء. بينهم الطلبة ورجال السلطة وضباط الجيش وأعيان ورعاة، من مختلف الأعمار، أصغرهم المامية، نجلة الشيخ عبد الصامد السالك “بولسان”، والتي كان عمرها 11 سنة، وكانت محتجزة رفقة والديها وشقيقتها، وأكبرهم عميد المعتقل السري، الشيخ الزاوي، الذي يتجاوز عمره 80 سنة آنذاك”.
واصل الجلادون تعذيب المختطفين دون معرفة أسباب ودوافع ذلك، فيما واصلت مجموعة بنوهاشم صمودها وتحديها، وزاد قونسي “عندما سمعنا خطواتهم تتجه نحو زنزانتنا، صاح أحمد لحميشي، الذي نلقبه بالحكيم، تقديرا له، مشجعا “كونو رجال أدراري قد ماتزيرات ترخاف”.
قرر المختطفون بعد ذلك عدم الانصياع لأوامر الجلادين، أو الركوع لهم، إلى أن تحققت نبوءة الحكيم “فعلا صدق الحكيم لحميشي، فلم يمر سوى أسبوعين، حتى فتحوا لنا الأبواب، كانت بالفعل أياما “جميلة” بمعتقل أكدز رغم سوء التغذية وقلتها، إذ ألحقونا بباقي المختطفين، فأصبحنا ندخل زنازنهم ونتجاذب معهم أطراف الحديث، إذ تعرفنا على أسمائهم ومعاناتهم وتقاليدهم وعاداتهم، وحفظنا أغانيهم الحسانية، كما عرفنا عدد موتاهم وظروف اختطافهم. قضينا 17 يوما على هذا الحال”.
بقي رفاق قونسي مختلطين مع المختطفين الصحراويين إلى حين حلول عيد الفطر، والذي لم يكن يشبه باقي الأعياد. هكذا يقول قونسي “حل عيد الفطر، وكنا نمني النفس بالحصول على وجبة تسد رمقنا على الأقل، فإذا بنا نفاجأ برئيس السجانين المشؤوم يبارك لنا العيد، و”يبشرنا” قائلا “نهار عيدكم نهار جوعكم ألمسلمين”، فلا خبز اليوم، فقط قطعتان من “هنريس” وكأس شاي، واستمرت هذه العادة في جميع الأعياد الموالية، فحتى عيد الأضحى، لم نتناول فيه شيئا، عدا كمية ضئيلة من الأرز المطهو بالماء”.
عزلت مجموعة بنوهاشم عن المختطفين الصحراويين في جناح خاص من معتقل أكدز، لتستمر معاناتهم مع إغلاق الأبواب، والمعاملة والتغذية السيئتين في فضاء غير ملائم لحياة البشر، حيث ينتشر القمل والبرغوث والقوارض والصراصير والعقارب والثعابين، علاوة على وجود أكثر من 20 كلبا للحراسة تقتسم مع المختطفين الوجبات الغذائية، على قلتها.
أصيب المختطفون بذهول شديد، لحظة علمهم أن الميزانية الشهرية المخصصة لتغذية 120 مختطفا لا تتعدى 150 درهما.
في يناير 1979، سيفرج عن أعضاء القوات المساعدة الثلاثة، فيما ظل المتبقون السبعة ينشدون بدورهم الفرج، بيد أن آمالهم سيخيبها أحد السجانين القساة، والذي كان يمني النفس باستمرار تعذيبهم حتى الممات.
الأماني محظورة

يتذكر قونسي هذه اللحظات العصيبة “بعد الإفراج عن أصدقائنا، اقتحم العريف عبد الرحمان الفكيكي زنزانتنا، وصاح بصوت مرتفع “ها هم قد خرجوا، فرد الحبيب بلوك: إن شاء الله سيفرج عنا كذلك قريبا”. لم يتقبل السجان هذا الجواب، فرد، وهو يضغط على أسنانه “شوف أبلوك نهار الله يقول لعزرايل “كوريط بن كوريط اقبط روحو مانشوفش وجهك قدامي دقيقة”.
حتى الأماني محظورة وممنوعة في المعتقلات السرية، يتابع قونسي سرد حكاية مماثلة حدثت في معتقل تازمامارت “حينما حكيت هذه الواقعة للقبطان حشاد، ضحك وقص لي أخرى أكثر فظاعة، وهي أن أحد سجانيهم بتازمامارت كان يستعد لأداء فريضة الحج، فطلب منه الحاج حشاد أن يدعو لهم بإطلاق سراحهم أثناء أداء مناسك الحج، فرد عليه بنبرة غلب عليها البكاء، ولكن إذا استجاب الله لدعوتي، وأفرج عنكم، ومالنا على هادشي كاع. حاج يخاف أن تنزل رحمة الله على عباده. ألم أقل لكم إنهم حجاج بيت الله العذاب، حتى ولو حجوا بيت الله الحرام؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى