fbpx
بانوراما

أنا وصديقي التايلاندي في صحراء رويشد

مغاربة العراق… من الجحيم إلى الجحيم
يطلق عليهم مجازا “مغاربة العراق”، أو مغاربة حرب الخليج، أو المغاربة الذين أمرهم الملك الراحل الحسن الثاني بالتوجه إلى سوريا فور اندلاع حرب الخليج الثانية، إثر اجتياح النظام العراقي للكويت في غشت 1990، فتركوا وراءهم كل ما يملكون وعادوا بحقائب سفر صغيرة، ولم يشكوا لحظة أن الوطن الذي أرسلهم للعمل في إطار عقود رسمية هو نفسه الذي سيتنكر لهم ويحرمهم من مبالغ مالية أقرتها، لفائدتهم، الأمم المتحدة في إطار تعويضات برنامج النفط مقابل الغذاء.في هذه الحلقات، يحكي مغاربة ومغربيات بدايات الهجرة وأسبابها وظروف العمل وتدبير زمن الحرب في العراق والكويت ولحظات الهروب من جحيم كبير إلى آخر أكبر منه.
إعداد: يوسف الساكت

الحلقة الرابعة

كان القصف على أشده في شوارع بغداد، وكانت الصواريخ تسقط مثل أمطار غزيرة على عدد من المنشآت العسكرية والإدارات والمنازل “كنا نختبئ تحت القناطر ووسط الأشجار حتى يهدأ القصف، ثم نحمل متاعنا ونركض إلى اللامكان، إلى أن وصلنا إلى منطقة موسى الكاظم، حيث أقامت السلطات العراقية ملجأ كبيرا تحت الأرض، دلنا عليه أحد السودانيين، ولذنا به من جحيم النار”.
يحكي إبراهيم لبيض، أحد مغاربة العراق، أن قصة العذاب بدأت فصولها من هذا الملجأ الذي يكاد ينفجر من البشر من جنسيات مختلفة، ومن مختلف الأعمار “لا ماء، ولا أكل ولا تهوية..كنا نتناوب على قارورة ماء صغيرة ثلاثة أيام ونشرب قطرات أنا وصديقي عبد العزيز الخضار ثم نخبئها من جديد”.
في أحد الأيام، اتخذ إبراهيم قرارا بالخروج من الملجأ، والتوجه إلى الفلوجة رفقة صديقه التايلاندي “نيم”، ومنها إلى ميناء العقبة (الأردن). “لم تكن المهمة سهلة، إذ تعرض لنا حرس الحدود وطلبوا منا العودة إلى قسم الجوازات من أجل الحصول على التأشيرة”. يقول إبراهيم، ويسترسل “فعلا، رضخنا إلى الأمر الواقع، وعدنا أدراجنا مشيا عدة كيلومترات، وصولا إلى شارع سعدون، حيث ظهر لنا من بعيد قسم جوازات السفر (شؤون العرب) وقد سوي بالأرض من شدة القصف”.
عاش إبراهيم وصديقه التايلاندي يوما عصيبا، إذ يستحيل عليهما المرور من نقطة المراقبة الحدودية بالميناء دون تأشيرتين تبخر الأمل في الحصول عليها. فقرر الاثنان العودة من جديد إلى الفلوجة، وفي نيتهما عبور صحراء رويشد للتسلل إلى الأردن.
حمل إبراهيم عشرة لترات من الماء، وحمل صديقه التايلاندي حوالي 40 رغيفا (خبزة)، واكتفيا بما قل وزنه من متاع، ثم قررا خوض المغامرة تحت سماء تنز حرارة وصواريخ، لكن لا مفر من الهروب.
وصل الصديقان، بعد 11 ليلة من المسير، إلى أقرب نقطة أمن في الأردن وكشفا عن هويتهما والصعوبات التي واجهاها في العراق وفي الصحراء، فرق حال الضابط الكبير الذي أمر بوضع خاتم دخول على جوازات سفرهما، وطلب منهما التوجه إلى فندق للاستراحة والأكل والإقامة.
الاعتصام

في الأردن، تعرف إبراهيم على مواطن ليبي ساعده على الدخول إلى ليبيا، وفيها حصل على مصاريف تذكرة على الخطوط الفرنسية أوصلته “ربنا خلقتنا” إلى المغرب في نهاية 1991. وقال إنه باع أربع علب من الجسائر الشقراء كانت بحوزته لتوفير ثمن وصوله إلى منزل أسرته بالبيتات.
انتهى جحيم العراق، وبدأ جحيم المغرب، إذ انضم إبراهيم إلى أول مجموعة من مغاربة العراق اعتصمت أمام مقر الوزارة المنتدبة لدى الوزير الأول المكلفة بالجالية المغربية بالخارج التي كان يتحمل حقيبتها آنذاك رفيق الحداوي.
كبر الاعتصام وزاد عدد المغاربة الذين بدؤوا يطالبون بتعويضهم عن سنوات الحرب في العراق، باعتبارهم عمالا متعاقدين مع الدولة المغربية للعمل في مؤسسات وإدارات عراقية. قاد إبراهيم عددا من الوقفات ورفع شعارات وانتظم في مبادرات نضالية، أرغمت الوزارة على صرف مبالغ هزيلة على سبيل التعويض على المغادرة، فيما بقيت التعويضات الأساسية المقررة في إطار النفط مقابل الغذاء طي المجهول.
يمسح إبراهيم رأسه ويستعيد شريط ذكريات يكاد ينفجر، مؤكدا أنه كان أول من راسل مسؤولا كبيرا في مجلس الأمن يدعى كارلوس إزامورا بعث له بكتاب ضخم يضم جميع الدول التي استفادت من التعويضات والمبالغ المقررة من الأمم المتحدة، باستثناء المغرب الذي توجد أمام خانته “0”.
تألم إبراهيم وقال: هؤلاء عندهم حكومات ديال بصح تدافع عنهم، وحنا عندنا حشاك الزبل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى