fbpx
بانوراما

الربيع العربي تحول نوعي في الفكر الجهادي

“وكانوا شيعا”

يبحر بك الدكتور إدريس الكنبوري، في عالم الحركات الدينية المتطرفة، ويفكك البنيات الذهنية والسلوكية التي اعتمدت عليها في مقاربتها السياسية المبنية على القتل، من خلال ما خطه من تحليل دقيق في كتابه” وكانوا شيعا”، الصادرعن دار طوب بريس بالرباط نهاية 2016 .
الحلقة الثالثة

الطائفة تنتصر على الدولة

مع اندلاع أحداث الربيع العربي في 2011، تغير الباراديغم الذي يسند النزعة الجهادية العالمية، إذ لم يعد تنظيم القاعدة الشكل التنظيمي الأنسب للمرحلة الجديدة، بالنظر إلى أن تلك الأحداث شهدت رواج مطالب سياسية مختلفة عن تلك التي كان التنظيم يحاول الإجابة عنها في السابق، فهتافات الشوارع العربية لم تكن تطالب بطرد المحتل، مثلا، أو قتال الأوروبيين أو حتى تحرير فلسطين، بل ببناء الديمقراطية وإرساء العدالة الاجتماعية والمساواة، أي أن الهدف أصبح يتمثل في بناء أنظمة سياسية جديدة.
تلقف الفكر الجهادي هذه النقطة وبنى عليها إستراتيجية جديدة، تتمثل في التسلل عبر حالة الفوضى في العالم العربي وطرح نفسه كبديل. وقد سعت العديد من الجماعات السلفية المتطرفة إلى الركوب على تلك الأحداث، لكنها اصطدمت بحالة الرفض من لدن الشارع، وبالأخص من الجماعات الإسلامية المنتمية إلى التيار الإخواني، التي كانت تريد قطف ثمار الأحداث وتحييد السلفيين الجهاديين.
لقد مثل منعطف الربيع العربي تحولا نوعيا في البنية الفكرية الجهادية، التي بات تنظيم داعش حاملا لواءها في الحقبة الجديدة، إذ أصبح مفهوم الدولة جزءا من هذه البنية، بفضل الصحوة السريعة والعابرة للشارع العربي التي قفزت عليها الجماعات الإسلامية.
ويمكن ملاحظة أن مواقف تنظيم القاعدة من أحداث الربيع العربي ـ كما عبر عنها أيمن الظواهري بوجه خاص ـ قد عكست طموحا إلى بناء الدولة، ذلك أن تلك المواقف لم يكن فيها ما ينمّ عن رفض القاعدة لفكرة الدولة من أساسها، بدليل أنها تضمنت “توجيهات” إلى التيارات الإخوانية بضرورة الثبات والمصابرة وعدم التفريط في المكاسب، بل يمكن القول إن أحداث الربيع العربي قد فاجأت تنظيم القاعدة ذاته، حينما وجد نفسه خارج المعادلة السياسية التي برزت في أعقابها.
مهدت تلك المواقف المسوغ النظري لتنظيم داعش من أجل المرور إلى فكرة الدولة، ولذلك كانت هذه الأخيرة نوعا من المباغتة للقاعدة، الذي وجد نفسه مرة أخرى خارج المعادلة الجهادية، بعد أن فرّط في الوجود بقلب المعادلة السياسية. فقد قفز داعش على فكرة الدولة، ليشكل ذلك نقلة أخرى في الفكر الجهادي الذي كانت القاعدة التعبير السابق عنه.
إنه تحول تاريخي كبير جدا ليست له سابقة في تاريخ الإسلام. فلأول مرة تقوم الطائفة الصغيرة بالانتصار على الدولة، ولأول مرة يصبح سلوك الطائفة الصغيرة هو السلوك المركزي لدى من ينظرون للمسلمين، ويصبح سلوك الأمة التي تشكل الغالبية العظمى سلوكا هامشيا لدى هؤلاء، وبعد خمسة عشر قرنا ينتقل مركز الثقل ـ في صناعة صورة الإسلام ـ من الأمة إلى الجماعة الصغيرة، وتتقلص مساحة عطاء المسلمين طيلة هذا التاريخ إلى هذه المساحة الضيقة التي حصر فيها المتطرفون الدين الإسلامي، فلم يعد أحد ينظر إلى الماضي الطويل المليء بالتسامح، بسبب الحاضر الثقيل المليء بالمذابح.

و يستمر التطرف
توجد في العالم المئات من المؤسسات العاملة في الحقل الديني ومجال الدعوة، ولدينا في العالم كله مئات الآلاف من المساجد التي يأتي إليها الملايين لسماع خطبة الجمعة مرة في الأسبوع، وخطبتي العيد مرتين في العام، ولدينا من العلماء في الدين والفقهاء مئات الآلاف الذين يكتبون ويخطبون ويدرسون في الجامعات والمؤسسات والمعاهد في طول الأرض وعرضها، وهو عدد لا يوجد في أي ديانة أخرى، بما في ذلك المسيحية التي يفوق عدد أتباعها عدد أتباع المسلمين، نظرا لأن المجال للكلام في الإسلام مفتوح. وفي كل يوم هناك المئات من المؤتمرات والندوات واللقاءات التي تعقد حول موضوع من الموضوعات في الإسلام في جميع أقطار الأرض، وتوجد في كل دولة عربية أو مسلمة وزارة لديها جيوش من البشر العاملين مهمتها الإشراف على الدين، وبجوارها أعداد كبرى من المؤسسات أو المراكز أو المجالس العلمية. ومع ذلك كله يستمر التطرف ويستقطب المزيد من الشباب، ويوجد مركز الثقل إلى جانب المتطرفين، لا إلى جانب هؤلاء أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى