fbpx
خاص

‎رائحة فساد تفوح من حدائق البيضاء

‎لوبي العقار يستنزف المساحات الخضراء وصفقات تدبير الباقي منها تثير الشبهات

‎يتعين توفير ما لا يقل عن 25 مترا مربعا من المساحات الخضراء لكل مواطن على الأقل، للاستجابة لمعايير المنظمة العالمية للصحة لضمان جودة وظروف صحية سليمة للحياة بالمدينة في هذا المجال. وأوصت وزارة السكنى والتعمير في دليل إعداد المخططات الخضراء، أن يتعين ألا يقل هذا المؤشر عن 10 أمتار مربعة، غير أن هناك مدنا أخرى لا تصل حتى إلى عشر الحد الأدنى المطلوب من المساحات الخضراء، على غرار الدار البيضاء، التي لا يتجاوز فيها هذا المعدل مترا مربعا لكل قاطن. ويختلف هذا المؤشر من منطقة إلى أخرى بالعاصمة الاقتصادية، إذ في الوقت الذي يتراوح بين 6 و 7 أمتار مربعة بمناطق، مثل كاليفورنيا وأنفا، فإنه يقل عن متر مربع في عدد المقاطعات المشكلة لمجلس المدينة، بل لا يتجاوز 35 سنتيمترا مربعا بالحي المحمدي.

‎تؤكد دراسات عديدة أن المساحات الخضراء والزهور والأشجار واتساعها أمام الإنسان تؤثر إيجابا على نفسية الإنسان، وتلعب دور مخفف الصدمات النفسية وحالات التوتر والقلق. ولا تقتصر الانعكاسات الإيجابية للمساحات الخضراء على الحالة النفسية للسكان فقط، بل تلعب دورا بيئيا هاما ينعكس على صحة المواطنين، إذ تعمل على الحد من تصاعد الغبار، من خلال تثبيت التربة بجذورها، كما تلعب دورا في امتصاص ثاني أكسيد الكاربون وتنقية الهواء ما يساعد على الحد من أمراض الصدر والتنفس. فليس غريبا، إذن، أن تسجل الدار البيضاء أعلى معدلات الإصابة بأمراض الحساسية وضيق التنفس، وأن يعاني سكانها بسبب أمراض ارتفاع الضغط. ‎ولا تعاني العاصمة الاقتصادية تراجعا حادا في المساحات الخضراء، بسبب الزحف الإسمنتي، بل، أيضا، بسبب سوء صيانة الحدائق والفضاءات الخضراء الموجودة، لينتهي بها المطاف إلى مطارح للأزبال ومرتعا للمتسكعين. وترجع المسؤولية في هذا المجال، بالدرجة الأولى، إلى مجلس الدار البيضاء، الذي يتولى تسيير 397 هكتارا، من أصل حوالي 420 هكتارا من المساحات الخضراء. ‎الغريب في الأمر، أن المجلس يخصص ميزانية هامة من أجل تسيير هذه الفضاءات وصيانتها وإعادة تهيئتها، إذ وصلت الميزانية المخصصة لهذا الغرض حوالي 74 مليون درهم، أي 7 ملايير و 400 مليون درهم، تتوزع بين 47 مليون درهم للصيانة، و27 مليون درهم خصصت للصفقات المبرمة لإعادة تهيئة بعض الحدائق والمنتزهات. ‎غياب مصالح مختصة بالإصلاح والصيانة ‎يفتقر مجلس المدينة في هيكله التنظيمي، حسب المجلس الجهوي للحسابات بالدار البيضاء، إلى مصالح مختصة بإصلاح وصيانة المساحات الخضراء، والإنتاج النباتي والمشاتل، رغم أن هاتين المصلحتين تعتبران الدعامة الأساسية لسير مرفق المساحات الخضراء. وفي غياب ذلك فإن الصلاحيات المخولة لرؤسات هاتين المصلحتين يقوم بها رئيس قسم المساحات الخضراء ورئيس مصلحة الدراسات والمشاريع وتتبع المشاريع. ‎الأدهى من ذلك أن جماعة البيضاء لا تتوفر على جرد شامل للمساحات الخضراء، علما أن تسيير وصيانة هذه الفضاءات يتطلبان معرفة مسبقة بمكوناتها. وأكد تقرير المجلس الجهوي للحسابات، في هذا الصدد، أن الجماعة تتوفر على لائحة إسمية بمساحات تقديرية تهم فقط المساحات الخضراء موضوع صفقات عمومية ولا تتضمن المساحات الخضراء المسيرة من قبل المقاطعات وعمالات الأقاليم. كما لوحظ، أيضا، غياب تصنيف للمساحات الخضراء بناء على دراسات وتحاليل ميدانية تمكن من معرفة خصائص كل مساحة خضراء على حدة وضبط حاجياتها في ما يخص صيانتها. وأشار المجلس الجهوي للحسابات إلى أن مجلس المدينة أبرم جميع صفقات صيانة المساحات الخضراء على أساس دفتر تحملات واحد، رغم اختلاف خصائصها وحاجياتها. ‎في السياق ذاته أشار تقرير المجلس الجهوي للحسابات إلى أن قسم تسيير المساحات الخضراء لا يتوفر على بطاقة معلومات خاصة بكل مساحة خضراء على حدة تتضمن كل مكوناتها ومحتوياتها من أشجار ومساحات معشوشبة، كما لا يتوفر مجلس المدينة على مخططات عمل في ما يخص جميع أنواع الخدمات من تنظيف وقص وتقليم وحصد أعشاب وسقي وتسميد. كما لا يتوفر قسم المساحات الخضراء على آليات تتبع وإنجاز أشغال الصيانة، إذ رغم تكليف مسؤولين جماعيين بالسهر على تتبع الأشغال، فإنهم لا ينجزون البيانات والكشوفات التي تثبت إنجاز الأشغال والخدمات.

‎اختلالات بالجملة في صفقات الصيانة

وقف المجلس الجهوي على عدد من الاختلالات في الصفقات التي يبرمها مجلس المدينة المتعلقة بالمساحات الخضراء، إذ لا حظ أن جميع طلبات العروض المتعلقة بصيانة المساحات الخضراء تخضع لنظام استشارة واحد رغم اختلاف طبيعتها وخصائصها، ما يعني اختلاف نوعية ومحتوى الأشغال والخدمات اللازم القيام بها. كما أنها من بين المعايير التي اعتمدها نظام الاستشارة هناك “رقم المعاملات لمشاريع شبيهة خلال ثلاث سنوات الأخيرة”، وتم تنقيط هذا المعيار بنسبة 40 % في ما يتعلق برقم المعاملات، الذي يفوق 3 ملايين درهم، وبنسبة 10 % فقط للشركات التي تحقق رقم معاملات يقل عن مليون و 500 ألف درهم. وأدى هذا النظام إلى إقصاء المنافسة، إذ يقصي، مسبقا، الشركات التي يقل رقم معاملاتها عن مليون و 500 مليون درهم. وبالفعل توصل المجلس الجهوي للحسابات إلى ن خمس شركات نفسها ظلت، منذ 2005، تستفيد من الصفقات المتعلقة بالمساحات الخضراء. بالموازاة مع ذلك اكتشف المجلس الجهوي للحسابات، أن هناك اختلافا بين المبالغ المسجلة في جدول المنجزات وتلك المضمنة في الكشوفات التفصيلية، إذ وصل الفارق إلى 948 ألفا و 205 دراهم. ويهم عددا من الصفقات المتعلقة بصيانة العشب وإعادة زرع المناطق المعشوشبة المتدهورة وحصد وإزالة الأعشاب. إضافة إلى ذلك، وقف قضاة المجلس الجهوي، خلال زيارات ميدانية، على عدم إنجاز الصفقات رغم أداء المجلس مبالغ هامة، إذ لاحظوا، خلال زيارتهم لحديقتي الأزهار وحديقة الجوهرة، أنهما توجدان في حالة متردية رغم أن المجلس خصص ميزانية إجمالية من أجل إعادة زرع العشب بهما، تصل إلى 143 ألفا و820 درهما. يتضح أن البيضاء لا تفتقر، فقط، إلى المساحات الخضراء، بل أيضا إلى سياسة لتدبير وصيانة الفضاءات الموجودة، ما يجعل وضعيتها تسوء سنة بعد أخرى. كما أن هذه المساحات بدل أن تسهم في تحسين إطار الحياة للبيضاويين، فإنها تحولت إلى مصادر للريع الجماعي.

عبد الواحد كنفاوي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق