الصباح الفني

مهرجان فاس… سفر روحي

الماء سيكون نقطة ضوء ومنبع إرواء للجسد والروح في لوحات إبداعية مؤثثة للدورة

“الماء والمقدس” عنوان سفر روحي يحلق فيه جمهور مهرجان فاس للموسيقى الروحية، عاليا في رحلة حبلى بالموسيقى من مشارب متنوعة ومختلفة، طيلة 9 أيام تتحول فيها فضاءات المدينة، إلى نقط تذوب فيها الثقافات والأعراق، لتنصهر في متعة روحية مكلفة ماديا بفضاء باب المكينة ومجانية بساحة أبي الجلود.

الماء باعتباره مصدر حياة وإلهام، سيكون نقطة ضوء ومنبع إرواء للجسد والروح، في لوحات إبداعية مؤثثة للدورة، انطلقت بعرض “روح فوق الماء” الافتتاحي، وتسير غالبيتها في طريق التحسيس بإشكاليات بيئية مؤرقة للأرض قبل الإنسان، ووعيا بالمبادئ البيئية باعتبارها امتدادا للمسعى الروحي لهذا المهرجان.

إعداد: حميد الأبيض(فاس) – تصوير: أحمد العلوي المراني

روح فوق الماء

يسير مهرجان فاس للموسيقى الروحية نحو تثبيت تميزه بين باقي المهرجانات الثقافية العالمية، بحفله الافتتاحي المقتبس من تيمات دوراته، المقدم بفضاء باب المكينة التاريخي، بلمسة إبداعية خاصة تجمع فنانين من جنسيات وثقافات مختلفة، في عرض متجانس تزيده الإنارة والديكور، سحرا خاصا يحوله إلى “ماركة مسجلة” باسمه.

“روح فوق الماء” لمسة إبداعية جديدة خالصة لالتزام إدارة المهرجان منذ دورات، بصمها ليلة الجمعة حفل افتتاح الدورة 23 المنظمة طيلة 9 أيام تحت شعار “الماء والمقدس”، وفق برنامج مدقق ومنفتح على أمكنة وفضاءات جديدة تغوص في أعماق التاريخ بفاس العتيقة، بما فيها خزانة القرويين المرممة الحاضنة لجلسات المنتدى.

اللوحة سفر إبداعي باحث عن منابع الماء ولواعج الروح، استلهمه مبدعوه من أغنية أسطورية للفنان بوب ديلان، ويغوص في قلب الحياة والروح بلمسة إبداعية لمخرجه ومعده آلان فيبر المدير الفني للمهرجان المشجعة دورته الحالية على تشجيع الإدراك البيئي السليم والوعي بالترابط الإنساني وحب الأرض وثمارها المتنوعة.

هذا السفر الفني والروحاني تزيده الرسوم الضوئية المتحركة المعروضة على أسوار باب المكينة عبر تقنية المابينغ، روعة بنقل الجمهور على جناح الأمان في رحلة عابرة للزمن والمكان تعود به إلى أصل البشرية المسؤولة عن الخطر الذي يتهددها، لاكتشاف الخلل على إيقاعات موسيقية وفنية تمتح من أعرق الحضارات والثقافات.

جبال الكناري ومرتفعات الأطلس المغربي وشلالات الأمازون وينابيع ماء في مختلف الأرجاء، حضرت بقوة في العرض الذي اقتبس صفحات من التاريخ العميق المختصر للمد والجزر المائي عبر العالم والتاريخ، من قصة نوح إلى الفيضانات والطوفان ومحطات شاهدة عصور مختصرة في سمفونية إبداعية قاد أوركستراها رمزي أبو رضوان.

على إيقاع الشعر انطلقت هذه الرحلة من نافورات العاصمة العلمية وسواقيها وتحفها المعمارية المتدفقة ماء يعتبر مصدرا للحياة ويستوحى منه ومن جمالية وحب الطبيعة، كل هذا العرض الإبداعي الوازن الذي شاركت فيه نخبة من الفنانين من مختلف بلدان العالم، انصهروا جميعا في لوحات متكاملة الإبداع صورة وعرضا.

جوق كبير ومقتبسات من مختلف التقاليد، تمازجت متماهية مع روح الطبيعة والصور المتحركة الراسمة لتاريخ لم يقبر، وفق إخراج مصوغ بأسلوب عصري وعضوي، إضافة إلى السرد الموسيقي الموازي والرسالة النبيلة الهادفة إلى تحسيس الإنسان بالإشكاليات البيئية المستحوذة على الأرض ويرتهن بها مصير البشرية في المستقبل.

من الجبل إلى المحيط يتناول البحث عن الماء وينابيعه ومختلف الأساطير والتقاليد المستحضرة له باعتباره مادة أساسية تهب الحياة للإنسان وقد تنزعها، في توليفة تجمع بين المحاكاة الصوتية وخرير المياه وهدير الأمواج وأغاني الحيتان الضخمة.

العرض منقط ببهجة الفلامنكو وروح الاحتفال الملازمة لتراث الجزر وبسحر مختلف الإبداعات الأصيلة، بمشاركة مجموعة من الفنانين العالميين الذين حلوا بفاس من مختلف البقاع لأجل رسم لوحة إبداعية مميزة لأجل الماء والبيئة ورمزيتهما، بينهم الفرنسيان فرانك مارتي وجيرار بوشو والمغربيتان فاتن هلال وزينب أفيلال.

تنويم مغناطيسي

شجع عزف الموسيقار الفرنسي مارك فيلا، على البيانو، وخرير المياه وزقزقة العصافير، جمهور حديقة جنان السبيل، عصر أو ل أمس (السبت) على الاسترخاء فوق بساط أخضر تحول لمراقد ضيوف فوق العادة، تماهوا مع جمال المكان والأداء، حالمين في يقظتهم بعالم مفعم بالمحبة والهدوء والسكينة بعيدا عن ضوضاء المدينة وفوضى المعيش اليومي.

شباب وشيوخ من الجنسين، بدوا كما لو نوموا مغناطيسيا، مستلذين بهدوء المكان وتناغم العزف. حتى أندري أزولاي وزوجته لم يخالفا الجمع في تماهيه، ولو لمدة قصيرة غادرا بعدها هذا الفضاء المختصر لتيمة المهرجان، في انسيابية مائه وجمالية أركانه الحاملة زائره فوق جناح الإبداع بحثا عن مقدس وتاريخ تختصره الأسوار.

“الشمس حاضرة بيننا” كما قال هذا الفنان الفرنسي، وأبعدت الحضور عن كراس حارقة، بحثا عن ظل أشجار وارفة وانتعاش أبدان محترقة، بمياه متدفقة ونسيم عليل هب في لحظة انتشاء تناغم فيها عزف البيانو والكلمة وصياح ديكة منبعث من البنايات القريبة بفاس الجديد واحد من أحياء فاس الضاربة جذورها في عمق التاريخ.

هذا الفضاء الحاضن لسهرات يومية مجانية، يكتشفه مارك الذي تكلم أكثر مما عزف، لأول مرة بعدما جاب أكثر من 40 بلدا بمختلف القارات في رحلات مكوكية قطع فيها نحو 250 ألف كيلومتر، طيلة 3 عقود، حاملا آلة البيانو سلاحه لاكتشاف الآخر وثقافته، واحدا من “المسافرين” بفنهم ممن برعوا في المجالين الموسيقي والشعري.

من الغابات المدغشقرية إلى قرى جنوب الصحراء. ومن أرياف كوسوفو إلى ضواحي الهند المزدحمة. ومن نوادي بيروت إلى ليالي سانتياغو الكوبية. رحلات اكتشف فيها نفائس الأمكنة والفنون وعوالم إنسان مختلف اللون والمعتقد، لكن سحر فاس وأهلها وحديقة جنان السبيل ربما أثرت كثيرا في فنان أسدل شعره وأطربت أنامله.

حكاية طريفة نقلها لجمهور هذا الفضاء، عن تجريبه بكندا ترنيمات على البيانو، مسجلة لاختبار درجة تجاوب كائنات البحر وحيواناته وأسماكه. كاشفا دهشته الكبيرة من تماه لم يتوقعه، داعيا إلى إبداع ما يرضي الآخر والوفاء بحاجياته الموسيقية، كي لا يتكرر سوء الفهم لهذا الآخر الذي “قيمته من قيمتك الروحية”.

وانطلق من ذلك ليقول إن لكل موسيقيي العالم أخطاءهم في العزف على “موسيقى الحياة”، بمن فيهم موزار، مؤكدا وجود تفاوت في التعامل معها وتجويد الأداء واختبار درجة نجاحهم في إسعاد الآخر، بعيدا عن صراع الشر والخير، الذي استدل بخصوصه، بقصة هابيل وقابيل وحكاية القتل لعدم تجاوب أحدهما مع أخيه.

حفل مارك فيلا الأول من نوعه بهذه الحديقة، شكل فرصة له للقاء تجدد بعد عقدين، مع زميله عازف العود الذي التقاه وتعامل معه سابقا في مهرجان بني عمار ناحية مكناس، ليتكامل التناغم بين عود مغربي أصيل وبيانو تقرأ ترانيمه، أنامل فرنسية فسحت لجمهور المكان، فرصة اكتشاف فنان عالمي جوال بآلته.

الصين ضيفة شرف

يواصل مهرجان الموسيقى العريقة التفاتته إلى ثقافات عالمية متميزة، لثاني مرة على التوالي منذ إطلاق المبادرة قبل سنة، إذ يحتفي بالصين ضيفة شرف في التفاتة تروم اكتشاف خزائن تراثها العريق والخصب، بعدما استضاف الهند في الدورة السابقة في إطار تقليد تتعهد إدارته بالحفاظ عليه في اللاحق من الدورات.

أول أمس (السبت) كان يوما للإبداع الفني الصيني، من خلال تقديم عرضين بباب المكينة ورياض بنسودة الحاضن لفقرات المهرجان لأول مرة في إطار انفتاحه على فضاءات جديدة سيما بقلب المدينة العتيقة، موازاة مع فقرات مهرجان داخل المدينة، بما يتضمنه من سهرات وفقرات متنوعة بساحة بوجلود ودار التازي.

بدءا من السابعة مساء، فتح الرياض المذكور أبوابه في وجه الراغبين في اكتشاف تراث وفن صيني زاخر، قدمت لينغلينغ يو ابنة خليج هانغتشو على الحدود الشرقية للصين، العازفة البارعة على الكمان والعود في حفل موسيقي مفعم بترجيعات موسيقية لطيفة ورائقة، تقدم لأول مرة في عمر هذا المهرجان الذي تأسس في 1994.

هذه الفنانة الحائزة جائزة المباراة الوطنية للموسيقى التقليدية، أبهرت جمهورها بلوحات موسيقية خارقة، كما العرض الباذخ حول أساطير الماء المستمد من ريبرتوار باهر وبهلواني قدمته بباب المكينة ليلا أوبرا وومن تسهيانغ، المشكلة من فنانين متجولين عادة ما يقدمون عروضا بهلوانية لتسلية الفلاحين بجبال الجنوب الشرقي.

وإضافة لهذه الأوبرا المميزة بألوان أعضائها الملونة وأصواتهم القوية المزمجرة، تحتفي إدارة المهرجان الذي يختتم بسهرة للفنانة الكبيرة ماجدة الرومي، بالتراث الفني الغني والمتنوع للصين، من خلال وصلات موسيقية وغنائية ورقصات تعبيرية لكبار فناني هذا البلد، لتعريف رواد الدورة به والتوغل في أعماقه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق