مجتمع

أزهار الأندلس… الدخول إلى “غينيس” عبر الموسيقى

كورال من 600 طفل بالبيضاء يستعيدون تراث الآلة الأندلسية

تستعد إحدى المؤسسات التعليمية الخاصة بالبيضاء  لإطلاق أكبر كورال للموسيقى الأندلسية يشارك فيه 600 تلميذ وتلميذة، ترافقهم فرقة موسيقية تتكون من أشهر العازفين. عن تفاصيل الاستعداد لهذا الحدث، وكواليس تحضير كورال من هذا الحجم، تأخذكم “الصباح” في هذا الربورتاج.

تتناهى أصوات جماعية رقيقة لأطفال، من أحد أركان زنقة جابر بن حيان بوسط المدينة بالبيضاء. لا يحول اصطفاف سيارات النقل المدرسي الصفراء أمام بناية مؤسسة لحلو الخصوصية دون تصاعد الأصوات التي تشدو بشكل جماعي بشذرات من النوبات الأندلسية.

يتعلق الأمر إذن بكورال جماعي اصطفت عناصره في الصباح الباكر بساحة المؤسسة الحرة، التي ما إن تتجاوز باب عتبتها حتى تفاجأ بعدد الأطفال الذي أخذوا أماكنهم بشكل منظم تحت السقف القصديري الذي يغطي جزءا من الساحة تاركا البقية مفتوحة في وجه السماء، في الوقت الذي اتخذ الأطفال أماكن تحت الظل الذي يوفره السقف لفئتي الذكور والإناث والذي قسم عليه تلاميذ فصول المؤسسة التعليمية الخاصة.

في وسط الساحة يتحرك رشيد الودغيري  مؤطر  المجموعة الصوتية، بين الصفين برشاقة وخفة، وقامة تميل إلى القصر، ويوجه ملاحظاته وتعليماته إلى الأطفال عبر ميركوفون ثبتت مكبراته الصوتية في أرجاء مختلفة من المؤسسة، في الوقت الذي تحرص فيه العديد من الأطر التربوية للمؤسسة على رص الصفوف وتنظيمها بشكل دقيق ومحكم.

يتعلق الأمر إذن باللمسات الأخيرة على مشروع فني استغرق إنجازه حوالي سنة، اختار له صاحبه رشيد الودغيري اسم “كورال أزهار الأندلس” ويضم ستمائة طفل وطفلة تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات واثنتي عشرة سنة، اضطلع بمهمة تحفيظهم شذرات من النوبات الأندلسية وفق طريقة منهجية، على مراحل، إضافة إلى مقاطع من التراث العيساوي، استعدادا لتقديم خلاصة هذا الجهد ضمن حفل فني غدا (السبت) بمسرح مولاي رشيد بالبيضاء على الساعة الثالثة والنصف.

العودة إلى التراث

تتصاعد الأصوات مجددا صادحة بالشذرات الأندلسية والعيساوية، في الوقت الذي يحرص فيه الودغيري على ضبط أصوات الأطفال الذي يرددون مقطوعاتهم دون الاستعانة بأوراق، وهو ما يمنح المشهد سحرا خاصا لكل من يراه وهو يشاهد أطفالا في مقتبل العمر يؤدون مقاطع تراثية تصلهم بجانب عميق من الحضارة المغربية.

يتحدث الودغيري بحماس بالغ عن مشروعه، ويقول إن الفكرة راودته عندما رأى قبل سنوات مشروعا مماثلا لفرقة كندية تشكلت من حوالي خمسمائة طفل قدموا لوحة فنية استقبلوا بها أطفالا سوريين لاجئين، فقرر أن يعيد الفكرة بطريقة مغايرة لكن هذه المرة بالاستعانة بالموسيقى التراثية المغربية والتي تعد الآلة الأندلسية واحدة من وجوهها الراقية، وبل ويتجاوز الرقم إلى ستمائة طفل، وهو الأمر الذي تحقق خلال النسخة الأولى لهذه التظاهرة الفنية في السنة الماضية.

ويحكي الودغيري أنه قدم من فاس قبل أزيد من ثلاث سنوات، بعد أن اصطدم هناك بمجموعة من العراقيل حالت دون تنفيذه هذا المشروع، رغم نشأته هناك وتلقيه أسرار الصنعة الأندلسية عن طريق مجموعة من الشيوخ، كما تمرس على إنشاد المديح والسماع، ومشاركته في العديد من الفرق الموسيقية المحترفة ومجاورته.

وعن سر اختياره الاشتغال على المؤسسات التعليمية الخاصة يقول الودغيري إن هذه المؤسسات تعد فضاء مثاليا لتلقين النشء مبادئ الآلة الأندلسية لهذا “اتصلت ببعض المسؤولين عن هذه المؤسسات وتحديدا بمدارس لحلو، وبمديرتها منية الصقلي،  وشرحت لهم فكرتي ومشروعي الفني التراثي، ووجدت ترحيبا كبيرا، ليس فقط من طرف الإدارة، بل أيضا من طرف آباء وأمهات التلاميذ”.

ويضيف أن  “الموسيقى الأندلسية والمديح فن روحاني يهذب الروح  سيما أن نفسية أغلب التلاميذ حاليا تعرف مجموعة من الاضطرابات، بسبب القلق والانفتاح المبكر على عوالم تفوق سنهم، مثل الإنترنت وتزايد نسبة الإقبال على التكنولوجيا والألعاب الإلكترونية. الأطفال يتجاوب بطريقة عفوية مع التراث الموسيقي ومع المديح والسماع، وأغلبهم يندمج بسرعة في الحفظ والإنشاد، وأسجل حسب تجربتي الخاصة، أن الأطفال يدركون الذوق الرفيع بالفطرة.. يبقى فقط على المؤطر أن يكون ملما بما يقدمه لهم من دروس فنية وتمرينات  في الحفظ والأداء وأن يخاطبهم بأسلوب راق ويحترم رأيهم  ويتجاوب بسعة صدر وبرفق مع كثرة أسئلتهم ويشجعهم ويحفزهم على تطوير موهبتهم”.

استئناس وعشق

كانت البداية بالتركيز على فرع مجموعة المدارس الخاصة بحي البرنوصي، وهو حي شعبي يمتاز بكثافته السكانية العالية، كما أنه ظاهريا لا شيء فيه يوحي بأن الموسيقى الأندلسية قد تجد لها موطئ “نغم” هناك، لذا كان التحدي الأكبر هو كيفية إقناع التلاميذ وآبائهم وأوليائهم بأهمية الانخراط في مشروع فني كهذا. ويقول الودغيري إنه واجه في البداية نوعا من التقاعس والكسل من جانب التلاميذ، لكن مع توالي الحصص بدأت يستشعر تآلفهم مع الأنغام الأندلسية واستئناسهم بكلماتها، وهو الأمر الذي حاول أن يرسخه منهجيا عبر مجموعة الحصص وتقسيم التلاميذ إلى مجموعات وفي ما بعد يتولى تجميع تلك المجموعات ضمن كورال أكبر، ليختبر مدى التجانس بين الأصوات ومدى تحكمهم في الإيقاع واحترامهم للمقامات الموسيقية، وهي العملية التي تتطلب صبرا ونفسا طويلا، سرعان ما ينقلب إلى إحساس كبير بالغبطة والسرور وهو يرى نتائج ذلك المجهود تترجم في تشبع مئات الأطفال بعشق الآلة الأندلسية وارتباطهم بالتراث المغربي بشكل عام.

وقُدمت التجربة الأولى لكورال “أزهار الأندلس” السنة الماضية على مسرح حسن الصقلي التابع لمقاطعة البرنوصي، بمشاركة 600 طفل وطفلة، وهو الأمر الذي خلف أصداء طيبة وترحيبا بالفكرة، وهو وما حذا بمنفذها الودغيري، والطاقم المرافق له، إلى رفع التحدي هذه السنة والحفاظ على تلك التشكيلة التي تدرجت لحفظ صنائع أندلسية أكثر تعقيدا، وهو الأمر الذي سيكتشفه الجمهور خلال حفل ثان سينظم يوم 19 ماي الجاري بمسرح محمد السادس بالبيضاء، وبالموزاة مع ذلك أشرف على تكوين مجموعة أخرى مشكلة هي الأخرى من عدد مماثل هي التي ستقدم سهرتها الأولى بمركب مولاي رشيد، ليكون مجموع الأطفال الذين خضعوا لهذا التكوين ما 1200 طفل وطفلة، وهو ما يجعل منظمي هذه التظاهرة يفكرون في ترشيح هذا الحدث إلى سجل “غينيس” للأرقام القياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق