الأولى

إدانة ولد الفشوش…هل هي خيبة أمل؟

القضاء انجرف نحو الشعبوية والمؤثرات الخارجية وداس على القوانين ومعطيات الملف

القضاء، صمام الأمان، أخفق مرة أخرى في التعالي عن الشعبوية وفرض سلطة القانون، وانجرف نحو التأثيرات والمؤثرات الخارجية، ليحكم عن علم بما راج في مواقع التواصل ويوتوب، باعتبارها محاضر خفية موثوقا بمضمونها أكثر من معطيات الملف وملابسات الوقائع، وتكييفها مع قوالب القوانين والعقوبات المناسبة، رغم أن القاعدة الذهبية تقول إن القاضي لا يحكم بعلمه.
مناسبة هذه المقدمة الحكم الصادر، مساء أول أمس (الاثنين)، ضد الشخصية الفيسبوكية التي أطلق عليها “ولد الفشوش “، الذي أدين من قبل ابتدائية الرباط، بسنتين حبسا نافذا، بسبب ارتكابه حادثة السير الشهيرة بالرباط، والتي لم تجر فيها الأبحاث إلا بعد أن تبددت كل أدلتها ووقائعها، فقط نشر الشاب نفسه لأشرطة صورها أثناء الحادث، كانت كافية لإشهار الفضيحة وتحرك الأجهزة، بأثر رجعي للبحث في ملابسات القضية وما واكبها من متابعة للرأي العام.
“الحكم قاس “، كان أول تعليق استقته “الصباح ” من نقيب هيأة المحامين بالرباط، محمد أقديم، إذ قال إن القضاء المستقل يجب أن يبحث في الوقائع المعروضة عليه على أساس تطبيق القانون، رغم أن التطبيق يبقى دائما نسبيا ويكون قريبا من تحقيق العدل والعدالة. وأردف المتحدث نفسه أنه لا يسوغ أن يتابع شخص بالسياقة في حالة سكر، خارج النصوص المسطرية المنظمة لهذه الجنحة، ومن ضمنها أن يكون الضابط المعاين، قد استعمل الرائز لقياس نسبة الكحول في دم المخالف، وهو ما سبق لمحكمة النقض أن أيدته بنقض حكم اعتمد فيه على محضر حادثة سير أنجزته الضابطة القضائية أشار إلى حالة السكر دون إثباتها بواسطة جهاز قياس نسبة الكحول (الرائز)، إذ أن مدونة السير تشترط وجوبا، استعمال الرائز لإثبات حالة السكر، كما هو منصوص عليه في المادتين 183 و207، وكل إثبات غير ذلك يكون مخالفا للقانون.
وأورد المتحدث نفسه أن ثاني الملاحظات التي يمكن تسجيلها في هذا الباب، أن حالة التلبس منعدمة في النازلة التي توبع من أجلها الظنين، فأطراف الحادثة انصرفوا إلى حال سبيلهم والأبحاث التي استلزمت الإيقافات لم تبدأ إلا بعد يومين أو أكثر، من نشر الظنين نفسه للأشرطة التي صورها.
واستدرك النقيب قائلا، إنه لتقييم الحكم بشكل دقيق لا بد من قراءة المحضر المنجز من قبل الضابطة القضائية، والاطلاع على محاضر الجلسات ومدى تجاوب المحكمة مع الدفوع المثارة، لمعرفة وضعية التعليل المعتمد، وهذا لن يتأتى إلا بعد طبع الحكم نفسه، وهو ما يمكن معالجته في مرحلة الاستئناف، للتصدي للعيوب التي قد تشوبه. وختم نقيب هيأة الرباط إن الظنين نفسه ليس ضابطا، وبالتالي لا يمكن نسبة جرائم تتعلق بمحضر المعاينة له، إذ ليس له الحق في إنجازه، بل يستمع إليه فقط في محاضر الاستماع، وهي محاضر دائما قابلة لإثبات العكس، فالمسؤولية ليست مسؤوليته، إلا إذا صرح الموظف المأمور بتحرير المحضر عدة مرات أنه هو الذي فرض عليه ذلك، وهو ما لا يستساغ منطقا ولا عقلا.
وخلف الحكم سالف الذكر استفهامات عريضة حول الأسس القانونية التي اعتمدت في الإدانة، ومدى الميل إلى التأثير الخارجي والضغط الكبيرين اللذين واكبا القضية، خصوصا أن فلسفة القانون تروم الردع بعقوبة تناسب الفعل والأضرار، فالحكم حسب فئة من المعلقين كان مزاجيا، وترجم التجاوب الواسع للرأي العام مع حمولة الأشرطة التي أعقبت حاث السير، إذ لم يكن للنيابة العامة أن تلتفت إلى الواقعة لو لم ينشرها “ولد الفشوش ” بنفسه. فالمتهم ضحية، في الآن نفسه، ومكانه الطبيعي “المارستان “، لتلقي العلاجات، إذ لا يعقل أن ينشر إنسان سوي ما قد يسيء إليه، بل سيعمل ما أمكن لتجنب أي مخالفة للقانون، ثم إن المتهم كان في وضعية سكر حسب الأشرطة ذاتها، فحتى حين إيقافه، كان سيوضع رهن تدبير الحراسة النظرية ولا يستمع إليه إلا بعد استفاقته من الثمالة، حتى يمنح فرصة لتبيان تصريحاته والتوقيع عليها وهو سليم العقل غير فاقد له، ورغم أن السكر ليس عذرا مخففا، إلا أن إثباته ينبغي أن يخضع للقانون ولا شيء غيره. ليس العيب أن تصدر عقوبات تصل إلى عشر سنوات أو أكثر، ولكن العيب أن تكون تلك العقوبات نزلت تحت مؤثرات خارجية تضعف مناعة الاستقلالية المنشودة.
المصطفى صفر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق