ملف الصباح

سينما “مغسولة بتيد وجافيل”

“الربيع المغربي” أتى بحكومة تشجع الفن “النظيف” وتمنع الأفلام ولا تمنح دعمها إلا بعد تأشيرة “الفقها”

دخل “الربيع المغربي” الذي عاشته البلاد ذات 20 فبراير، “مباركا مسعودا” على مجال السينما والفن، خاصة أن رياح التغيير أتت بحكومة “إسلاموية” يتزعمها “بيجيدي”، الحزب الذي لديه حساسية من كل ما هو حريات، والذي عرف عنه، أيام المعارضة، وقوفه بالمرصاد أمام جميع أشكال الفرح والإبداع والبهجة، بدءا من المهرجانات إلى الأفلام السينمائية والتلفزيونية المعروضة، سواء في القاعات، أو على الشاشة الصغيرة.
وإذا كان “العدالة والتنمية” تسبب، قبل “الربيع المغربي”، في منع عرض فيلم “لحظة ظلام” للمخرج نبيل عيوش، بسبب تضمنه مشاهد اعتبرها زعماء الحزب “لا أخلاقية”، رغم أنهم لم يشاهدوا الفيلم، بل سمعوا عنه فقط، فإن الحزب نفسه، ظل وفيا لقاعدة المنع تلك، حتى بعد تسلمه مقاليد الحكم، ولم يسلم فيلم آخر، للمخرج نفسه، من سيف الرقابة والقمع والمنع، وأصدرت في حقه وزارة الاتصال، التي كانت في عهدة مصطفى الخلفي، أحد وزراء “بيجيدي”، حكما بالإعدام دون أن تسمع دفاعه، أو ترى، بالدليل الملموس، برهان إدانته. مقاطع مسرّبة من الفيلم كانت كافية لأن تصدر الوزارة الوصية بلاغها بعدم الترخيص لعرض الفيلم في القاعات لأنه “يتضمن إساءة أخلاقية جسيمة للقيم والمرأة المغربية، ومسا صريحا بصورة المغرب”. “انتهى الكلام” الفضفاض.
فيلم آخر، مارست عليه وزارة الخلفي أيضا سياسة الوصاية والرقابة. ويتعلق بشريط “الخروج: ملوك وآلهة” للمخرج الأمريكي ريدلي سكوت، الذي صرّح المركز السينمائي المغربي بعرضه في القاعات، قبل أن يعود إلى منعه لأنه “يجسد الذات الإلهية”، ولأن مضمونه مختلف عن الروايات الدينية في اليهودية والمسيحية والإسلام. قبله أيضا تم منع فيلم “نوح” من العرض في القاعات.
ورغم أن “العدالة والتنمية”، حاول أن يظهر من خلال سياسته الحكومية، أنه لم يأت للحد من حريات المغاربة، وأنه ليس ضد الفن والإبداع والجمال، إلا أن الطبع يغلب التطبع. فقد أبانت العديد من المواقف ومن السياسات “من تحت الدف”، عن محاولة لفرض الوصاية على السينمائيين وعلى نوعية ما يخرجونه من أفلام. وبعد أن أصبحت السينما المغربية تملك الجرأة للتطرق إلى مواضيع مسكوت عنها داخل المجتمع، وتنطق بلغة الشارع والشعب، وتخلق النقاش بين حداثيين ومحافظين، أصبحنا في عهد “الربيع المغربي”، نتحدث عن فن “نظيف” وسينما “مغسولة بجافيل وتيد”، وأصبح المركز السينمائي المغربي يدعم أصحاب الأفلام التي تساير عقليته وإيديولوجيته، بعد أن “تخلّص” من رجل السينما والفلسفة والفكر المتنور نور الدين الصايل.
مصدر من داخل المركز السينمائي، رفض ذكر اسمه، أكد في حديث إلى “الصباح”، أن لجان الدعم داخل المركز، كانت تتكون من أعضاء بعيدين تماما عن السينما والفن، أغلبهم محافظون يدورون في فلك وزير الاتصال السابق مصطفى الخلفي وحوارييه، إلى درجة أن واحدا من الأعضاء كان فقيها يقدم دروسا دينية في قناة “السادسة”.
المصدر نفسه قال إن بعض المخرجين كانوا من المغضوب عليهم، وبالتالي كان يصعب أن تحصل أفلامهم على دعم مالي من المركز، بل إن السيناريوهات التي تشتم منها رائحة الجرأة، كانت تقصى حتى قبل أن تمر إلى المناقشة، وهو ما أدى ببعض المخرجين، الذين فهموا “اللعبة”، أن يقدموا إلى اللجنة مشاريع “نظيفة”، قبل أن “يوسخوها” على أرض الواقع بعد حصولهم على الدعم.
وأشار المصدر إلى أن الأمر كان يسري أيضا على جميع اللجان وعلى القاعات والمهرجانات، إذ بدأنا نسمع في عهد الخلفي، عن تفريخ عدد من المهرجانات “الصديقة” الخاصة بالأفلام الوثائقية التي كان يشجعها الوزير السابق لأنها أكثر “نظافة” من الأفلام الروائية المتخيلة، وكان حريصا على حضورها شخصيا، في وقت كان يغيب عن مهرجانات كبرى حتى لا يقال إن “بيجيدي” يدعم مهرجانات الفسق والفجور.
نورا الفواري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق