الصباح السياسي

العثماني يفلت من فخ البرلمان

نيران أحزاب المعارضة والمركزيات النقابية عمقت تصدعات برنامج كتب تحت الضغط

أفلت سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، أول أمس (الأربعاء) من فخ مجلس النواب، لكن معركة التنصيب البرلماني وكثافة نيران أحزاب المعارضة والمركزيات النقابية عمقت تصدعات برنامج كتب تحت الضغط، وكشفت حكومة تعاني لتأمين تماسكها العددي ضد أي هزات تنسفها من الداخل، إذ تعرضت لحوادث سير سياسية ليست مميتة لكنها أدت إلى حدوث خسائر في طريقة تدبير هندسة وتشكيل الحكومة ووضع برنامج قابل للتنفيذ، ومتفق بشأنه بين فرقائها، بل يمكن للمعارضة استحسانه.

تنقيط سيئ في سلم الأرقام والمعطيات والأجندات

تصريح العثماني وصف بأنه تكرار لما سبق أن أخفق في تحقيقه رئيس الحكومة السابقة

غيبت تداعيات أزمة تشكيل الحكومة الأمل في إنجاز برنامج حكومي محكم قادر على مواجهة معارضة شرسة آتية حتى من داخل أحزاب الأغلبية نفسها وخاصة الحزب قائد الائتلاف الحكومي، يقودها ليس قياديا بل زعيم اسمه عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المعفى من مهامه، الذي ظل متمسكا بما يراه مناسبا في مجال تقليص الفوارق الاجتماعية، عبر منح مساعدات ودعم مالي مباشر للمهمشين الذين لا تدافع عنهم المركزيات النقابية، والأحزاب السياسية، إلا عن طريق نشر البلاغات، فيما الموظفون والمستخدمون، وعموم الأجراء والطبقة المتوسطة، والأغنياء والميسورين، يتوفرون على آليات الوساطة والتدخل والتأثير لانتزاع الحقوق.
وبين الدفاع عن المهمشين وصون كرامتهم، والمحافظة على المكتسبات القائمة للفقراء والطبقة العاملة والموظفين والطبقة المتوسطة، اعتبر قادة الأغلبية أن طريقة العدالة والتنمية، قائد الائتلاف الحكومي، هي الأقرب إلى أداء الصدقات والإحسان، وأبعد أن تساهم في صناعة المواطن المغربي المجتهد والعامل الذي يحصل على قوت يومه من عمله وينتج الثروة، لذلك شن قادة الأغلبية هجوما كاسحا على مقاربة العدالة والتنمية في تنزيل العدالة الاجتماعية، وشطبوا على بعض الإجراءات الاجتماعية التي تدغدغ العواطف ولا تحل أي مشكل.
وأجمعت أحزاب المعارضة والمركزيات النقابية على ضعف البرنامج الحكومي، ومنحته تنقيطا سيئا، جراء غياب أجندة واضحة لتنزيل البرامج المتحدث عنها، مسجلة خلوه من أرقام ومعطيات وتدقيقات تخص كيفية الإصلاح الخاص بكل قطاع على حدة، بل وصفته بأنه مجرد إنشاء يتضمن نوايا حسنة ولغة ” التسويف” والانتظارية وإعادة تكرار ما سبق وأن أخفقت فيه حكومة بنكيران، وسارت عليه حكومة العثماني التي تعد استمرارا لها وطبعة منقحة عبر تغيير شكلها.
وانتقدت الأحزاب والمركزيات النقابية التوجه الحكومي، معتبرة إياه إعلان نوايا واقتسام غنيمة حزبية بين قياداتها، إذ الصراع اشتد حول عدد الحقائب التي سيحصل عليها كل حزب، عوض الحديث عن البرنامج الحكومي الذي ظل مغيبا إلى آخر الدقائق، إذ تمت صياغته من قبل أطر الوزارات التي شاركت في إعداد قانون المالية لـ 2017، وتم تلخيصه في ديوان رئاسة الحكومة الذي تلاه العثماني أمام أنظار مجلسي البرلمان.
من جهتهم انتقد الاستقلاليون الطريقة التي تم من خلالها إبعاد حزبهم من المشاركة في الحكومة بدواع مختلفة لا علاقة لها بالتدبير العقلاني للمجال السياسي، بل هي تدخل في شؤون الأحزاب الداخلية وضرب لمصداقية العمل الحزبي والمس باستقلالية القرار السياسي والدوس على نتائج صناديق الاقتراع، وإلغاء الهدف أصلا من إجراء الانتخابات.
وقال عبد السلام اللبار، القيادي الاستقلالي، إن البرنامج الحكومي إن تم التسليم به غير مدرك تماما لطبيعة المطالب العادلة للفئات الاجتماعية، وللسياقات التي تؤطرها، لأنه خارج عن السياق الدستوري والقانوني والسياسي له، مشيرا إلى أن الخاصية الأساسية تكمن في أن مناقشة برنامج هذه الحكومة تمت فوق مسار سياسي عجيب وغريب.
وحمل اللبار لقيادة العدالة والتنمية، ولمن عرقل تشكيل الحكومة، مسؤولية ضياع ستة أشهر من المشاورات والمناورات التي تمت حياكتها في واضحة النهار، إذ تكبدت البلاد خسائر مادية ورمزية ثقيلة (المقاولات، تنمية فرص الشغل..)، خاصة على صعيد تعزيز مصداقية عمل المؤسسات، إذ لم يكن المغاربة في حاجة إلى تغيير الأشخاص فقط، بل عقد الأمل على تغيير أسلوب ومنهجية وضع المؤسسات وانتخابها وتسييرها، وفي فن صناعة التحالفات، مضيفا أن استدعاء الأساليب المعلومة في صناعة التزييف وتأثيث ديمقراطية الواجهة، عن طريق تشكيل حكومة ” مخدومة” على تعبير الزعيم الراحل امحمد بوستة،ارتكز بدوره على مؤسسات تم تدجينها وإفراغها من محتواها ومضمونها الشعبي الديمقراطي.

اللبار: الاستقلال لن يقدم شيكا على بياض
أكد اللبار أن “الاستقلال غير ملزم بتقديم المساندة لحكومة (مخدومة) لأن المرجع في تحديد توجه حزبه كان هو حماية الشرعية الانتخابية وتعبيد الطريق السالكة أمام المسار الديمقراطي في البلاد، لكن مرت مياه كثير تحت الجسر، لتفرز حكومة بعيدة بعد السماء عن الأرض عما كان يتطلع إليه الشعب المغربي والرأي العام، ولما كان مطلوبا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المغرب.
وقال اللبار “إننا في الفريق الاستقلالي لن نقدم شيكا على بياض للحكومة، ولسنا أرقاما عددية بل قوة سياسية حقيقية”، مضيفا أن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس المستشارين يستحضر أيضا في هذه اللحظة التي يفترض أن تكون لحظة ديمقراطية، إصرار البعض على الالتفاف على الإرادة الشعبية، وعلى نتائج الانتخابات، وتوزيع شهادات حسن السيرة يمنة ويسرة،إذ سعت جاهدة إلى محاصرة الأحزاب السياسية الوطنية في محاولة لقتل السياسة وفرض اشتراطات شخصانية معينة لقبول عمر أو زيد.
الاستقلال: أين مصادر التمويل؟
اعتبر الاستقلاليون أن البرنامج الحكومي الذي تلاه العثماني كان جاهزا، بدون خلفية سياسية ولا يمت بصلة لبرامج مكونات التحالف الحكومي، ولا تعرف منطلقاته ولا مبتغاه، ولا فرضياته و لامنهجيته في تصميم السياسات، و لا ضمانات التنفيذ، ولا مؤشرات وتحقيب لعملية الإنجاز، ولا آليات التقييم ولا مصادر التمويل، وفي غياب واضح لترتيب الأولويات، ودون أهدافه الكبرى ودون مستوى اللحظة الفارقة التي تعيشها البلاد، مضيفين أن البرنامج الحكومي المعروض على أنظارهم، ما هو إلا إنشاء لغوي وتسويف ونوايا طيبة، وإعادة لما سبق.
وسجل حزب “الميزان” أن البرنامج الحكومي لم يتضمن أدنى إشارة إلى مشروع تحرير سعر صرف ” الدرهم” الذي أعلنه والي بنك المغرب مرارا، علما أن هذا الأمر يدخل ضمن اختصاصات الحكومة بمقتضى المادة 8 من القانون المنظم لبنك المغرب. ولا يوضح البرنامج الحكومي كيف تعتزم الحكومة جعل السياسة الضريبية آلية من آليات السياسة الاقتصادية باعتبارها إحدى أدوات تدخلات الدولة الأساسية لتحقيق أهدافها. كما لم يقدم البرنامج الحكومي أي تصور حول قضايا الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والمقاولات الصغرى والمتوسطة وكيفيات استثمار تحويلات مغاربة الخارج بشكل أفضل وغيرها من القضايا.
أحمد الأرقام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق