تقارير

بوحميد: السكن المتوسط كذبة كبرى

رئيس الاتحاد الوطني لصغار المنعشين العقاريين أكد أن مشاريع السكن الاجتماعي أفشلتها أخطاء الانطلاقة

أكد أحمد بوحميد، رئيس الاتحاد الوطني لصغار المنعشين العقاريين، أن مشاكل قطاع السكن الاجتماعي الراهنة، مرتبطة بشكل وثيق بأخطاء البداية، موضحا أن الدولة أهدرت وعاء عقاريا مهما من خلال تصاميم التهيئة، وأوصلت السوق إلى وضعية احتكارية، مشددا في حوار مع “الصباح”، على بلوغ المنتوج العقاري مرحلة الإشباع رغم استمرار العجز في إنتاج السكن، بسبب سوء تموقع المشاريع الجديدة، منبها إلى أن السكن المتوسط كذبة كبرى، بسبب استناده إلى امتيازات صورية. في ما يلي نص الحوار:

< هل تعتقدون أن مشاكل السكن الاجتماعي الحالية ترتبط بانطلاقة هذا المشروع؟
< لا شك أن مشاكل قطاع السكن الاجتماعي الراهنة مرتبطة، بشكل وثيق، بأخطاء البداية، ذلك أن مشروع السكن الاجتماعي الذي أعطى الملك الراحل الحسن الثاني انطلاقته في 1998، جاء استجابة لحاجة ماسة إلى هذا النوع من السكن، فيما لم تكن الدولة أو المنعشون العقاريون الذين انخرطوا في المشروع، يمتلكون خبرة مسبقة في هذا الشأن، بينما كان الوعاء العقاري متوفرا وسط المدن الكبرى، ويجري تفويته بأثمنة رمزية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المساطر المتبعة، إذ خصص لمعالجتها شباك خاص، وبطبيعة الحال، استفاد من هذه الامتيازات كبار المنعشين، ذلك أن المقاولات الصغرى لم تكن خلال تلك الفترة قادرة على مجاراة مشروع من هذا الحجم.
هذه الامتيازات، تعززت بأخرى جبائية، وكذا ضمانات لدى البنوك ومصالح أخرى، إلا أنه للأسف ارتكبت مجموعة من الأخطاء، إذ تم هدر الوعاء العقاري بشكل كبير، ولم يتوجه السكن الاجتماعي للفئات المستهدفة من محدودي الدخل، والأمر نفسه بالنسبة إلى مواصفات المنتوج، الوارد ذكرها في الخطاب الملكي الخاص بإطلاق هذا النوع من السكن، ذلك أنه لم يتم احترامها، علما أنه يفترض بهذا السكن حفظ كرامة المواطنين، فظهر مستثمرون وتجار تخصصوا في السكن الاجتماعي، يقتني أحدهم مثلا، عشر شقق في مشروع مخصص لهذا السكن، متحايلا على المساطر الإدارية، التي تتضمن وثيقة تثبت عدم الملكية، ما أدى إلى اغتناء بعضهم بسرعة.

< كيف يتحايل تجار السكن الاجتماعي على المساطر الضريبية؟
< إذا كانت المديرية العامة للضرائب، قيدت الاستفادة من السكن الاجتماعي، بالتصريح بوثيقة عدم الملكية لدى الموثق عند إنجاز عقود الشراء، فإن تجار هذا النوع من السكن، حصروا معاملاتهم التجارية في مستوى بعض المنعشين العقاريين، إذ يحدث أن يقتني مستثمر 15 شقة، ويسدد ثمنها كاملا للمنعش، بشكل فوري، قبل اكتمال إنجاز المشروع، ثم يعمد إلى المضاربة فيها بعد ذلك، من خلال تفويتها إلى المستفيدين الحقيقيين.

< لماذا وصل السوق إلى وضعية احتكارية في فئة معينة من السكن؟
< هناك علاقة وثيقة بين الامتيازات التي منحت إلى المنعشين العقاريين الذين واكبوا مشروع السكن الاجتماعي في بدايته، والوصول إلى وضعية احتكارية في السوق، إذ ساهمت الامتيازات والمعاملة التفضيلية في ولادة منعشين كبار، سموا في ما بعد بـ"لوبيات العقار"، ذلك أن الدولة كرست وضعا احتكاريا، من خلال فرض التزامات "تعجيزية" على المنعشين العقاريين، صبت في مصلحة الكبار منهم، تهم بناء ألفين و500 شقة خلال خمس سنوات، وهو التزام يستحيل على منعش صغير الوفاء به.
هذا الوضع استمر خلال الفترة بين 1998 و2006، حتى مجيء أحمد توفيق احجيرة، وزير الإسكان والتعمير آنذاك، بالتزامن مع ازدهار سوق العقار، ليحمل قانون المالية 2007، تحيينا لسقف الالتزامات الذي تراجع إلى ألف و500 شقة، ثم إلى ألف شقة في 2008، قبل بلوغ سقف جديد في حدود 500 شقة في 2010، تاريخ وصول سوق السكن الاجتماعي مرحلة الإشباع، ذلك أن الأوان كان قد فات على هيكلة السوق ومنح المنعشين فرصا متكافئة، إذ احتكر حيتان العقار هذا السوق خلال ست سنوات، راكموا فيها أرباحا قياسية ورصيدا عقاريا مهما.

< ما مؤشرات بلوغ سوق السكن الاجتماعي مرحلة الإشباع؟
< هناك مجموعة من المؤشرات التي تؤكد بلوغ سوق السكن الاجتماعي مرحلة الإشباع، رغم أن المعطيات الرسمية، تشير إلى عجز في إنتاج هذا النوع من السكن يصل إلى 170 ألف وحدة سنويا خلال الفترة بين 2012 و2022، أي أن الدولة في حاجة إلى السكن، إلا أن المشكل يتركز حول ندرة الوعاء العقاري الملائم لإنتاج هذا السكن، ذلك أن أغلب المشاريع المنجزة حاليا، موجودة في الضواحي والمدن الجديدة، وبالتالي مناطق غير محببة إلى الزبناء، ما يطرح مجموعة من المشاكل التجارية خلال عملية التسويق.
وأستطيع التأكيد على أن الدولة كانت شاهدة على خروقات القانون 12.90، المتعلق بالتعمير، من خلال الترخيص لمشاريع السكن الاجتماعي في مناطق لا تتوفر على تجهيزات وبنيات تحتية حيوية، من قبيل المدارس والمصحات ومراكز الشرطة، فمدينة مثل الرحمة بالبيضاء، تم تشييدها دون توفير الحد الأدنى من التجهيزات، وكذا الأمر بالنسبة إلى تامنصورت وتامسنا، علما أن هذا النوع من السكن، يوجه إلى فئة معينة من المستفيدين من محدودي الدخل، أي الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف إضافية، مرتبطة بالتنقل من السكن في مناطق بعيدة عن فضاءات عملهم.

< أين وصل مشروع سكن اقتصادي بـ14 مليون سنتيم؟
< بخلاف مشاريع السكن الاجتماعي الرائجة في السوق حاليا، يتمركز مشروع السكن الاقتصادي بـ14 مليون سنتيم، المنجز في إطار شراكة مع مجموعة "العمران"، في موقع استراتيجي بحي سيدي مومن، الأمر الذي حفز الإقبال عليه بشكل كبير، بالنظر إلى توفر المنطقة على البنيات التحتية، في الوقت الذي ما زلنا نشهد هدرا للوعاء العقاري من قبل الدولة، من خلال تصاميم التهيئة، التي تحرم المنعشين وطالبي السكن من فرص حقيقية لامتلاك مساكن، تحترم شروط العيش الكريم.
اليوم عدنا إلى سقف 500 شقة، الأمر الذي يفتح الباب أمام صغار المنعشين العقاريين لدخول السوق، في الوقت الذي هاجر المنعشون الكبار إلى أسواق أخرى، إلا أننا لا يمكن أن نعالج مشاكل منتوج السكن الاجتماعي دون العودة إلى الماضي، ومعالجة مشاكل الانطلاقة، خصوصا ما يتعلق بهدر الوعاء العقاري، وهو المعطى الذي أكدته أمام نبيل بن عبد الله، وزير السكنى وسياسة المدينة، خلال لقاء حول سياسة المدينة أقيم في ولاية جهة البيضاء- سطات، إذ يتعين علينا خلال هذه المرحلة أن نسرع لكن بحذر، وطالبت بإدماج منتوجات السكن وتجميع الفئة المستهدفة، لغاية عدم تكريس التفرقة الاجتماعية، ذلك أن واقع الحال، يشير إلى إقامة متوسطي الدخل في السكن الاجتماعي.

< ما هي في رأيكم أسباب فشل منتوج السكن المتوسط؟
< أستطيع التأكيد على أن السكن المتوسط كذبة كبرى، إذ لم يرق هذا المنتوج إلى انتظارات الناس، كما أن القائمين عليه أغفلوا مجموعة من الشروط، ذلك أن الغموض يلف الفئة المستهدفة بهذا المنتوج، في ظل عدم وجود تعريف دقيق ومحدد لهذه الطبقة الاجتماعية، فيما لم يقدموا أي امتيازات للمنعشين، من أجل إغرائهم للاستثمار في هذا المنتوج العقاري، باستثناء إعفاء المستفيدين من واجبات التسجيل والتحفيظ، التي لا تتجاوز 20 ألف درهم، وهو المبلغ الذي يمكن للمنعش خصمه من سعر السكن لفائدة الزبون، من خلال حذف 100 درهم في المتر مربع.
ويحدث أن يتنصل المنعش من التزامته مع الدولة، في إطار دفتر التحملات الخاص بالسكن المتوسط، وينتج سكنا بسعر معقول، دون المرور عبر الامتيازات الصورية والتعاقدات، التي تتضمن بعض المغريات، المتمثلة في منح المنعشين العقاريين استثناءات على مستوى التصاميم، من خلال الترخيص لهم ببناء ثمانية طوابق، عوض أربعة، وهو الأمر الذي لا تتحكم فيه الدولة، وإنما تصاميم التهيئة، ما يعيدنا إلى زمن الاستثناءات، التي عطلت مشاريع كبرى في البلاد.
مراجعات ضريبية للمنعشين
< هل توصلتم إلى تسوية مع الضرائب بشأن تعاقدات إنتاج السكن الاجتماعي؟
< لقد راسل الاتحاد العام للمقاولات والمهن، الإطار العام لجمعية صغار المنعشين العقاريين، وزارة السكنى وسياسة المدينة من أجل التدخل لدى وزارة الاقتصاد المالية، لغاية توجيه مديرية الضرائب، من أجل إيجاد تسوية ملائمة لملفات المنعشين المتأخرين في بلوغ الأهداف التعاقدية مع الدولة، بخصوص إنتاج 500 وحدة سكنية خلال أجل أقصاه خمس سنوات، علما أن المراجعة الضريبية المرتقبة ستهم أزيد من 216 تعاقدا في هذا الشأن، ذلك أن 84 % من المنعشين الذين وقعوا اتفاقيات لإنتاج السكن الاجتماعي خلال ثلاث سنوات الأولى من انطلاق الإعفاءات الضريبية المشار إليها، منعشون متوسطون وصغار.
ونقترح لتسوية هذا الملف الضريبي، تخفيض حجم الإنتاج المستهدف ضمن عقود السكن الاجتماعي مع الدولة، من 500 سكن إلى 200 أو 250، لغاية تجنيب صغار المنعشين تداعيات المراجعة الضريبية، التي اعتبرها "مجحفة"، ذلك أن القوة القاهرة حاضرة في العقود المذكورة، بالنظر إلى أن ثلاث سنوات الأخيرة من فترة التعاقد، عرفت ركود السوق العقاري، إلى جانب استمرار وجود مجموعة من العوائق المسطرية والإدارية، المرتبطة بطول آجال استخلاص التصاميم والتراخيص.
في سطور
– من مواليد 1974 في ورزازات
– حاصل على تكوين في مجال البناء والعقار
– منعش عقاري
– مسير سابق في عدد من المقاولات العقارية الصغرى والمتوسطة
أجرى الحوار: بدر الدين عتيقي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق