fbpx
ملف الصباح

الكذب السياسي لتسويق سلعة فاسدة

يحياوي: الكذب أضحى جزءا من “سوق سياسي” ينتصر فيه الشاطر على الصادق  

ما علاقة السياسة بالكذب، وهل يمكن اعتبار وعود السياسيين وخطاباتهم “كذبا”؟ أم أن الخطاب السياسي في الحالة المغربية هو مجرد “كذب” يعبر عن المستوى الذي آلت إليه الممارسة السياسية، بسبب تحولها من مجال للدفاع عن برامج وتصورات مجتمعية إلى “سوق” تنعدم فيها معايير الجودة، ومجرد فضاء للكذب وتسويق الوعود، بعيدا عن قيم الصدق والنزاهة.
يقول الباحث يحيى اليحياوي، لقد أصبح الكذب اليوم جزءا من  المنظومة السياسية، في الوقت الذي ظلت السياسة هي مجال الأخلاق والصدق و”الكلمة” لدى أجيال سابقة من السياسيين.
وأوضح يحياوي، المختص في الاتصالات، أن أغلب السياسيين يدشنون حملات الكذب لمناسبة الانتخابات، من خلال إطلاق الوعود بتحقيق مكاسب الناخبين، وهم واعون بأنها مستحيلة التحقيق، من قبيل شعارات تشغيل العاطلين وضمان الصحة للجميع، وهي أكاذيب لا يصدقها المواطنون، ومع ذلك تراهم مقبلين على التصويت لفائدة ممارسي الكذب السياسي.
وأوضح يحياوي أن المرء تعايش مع الكذب، إلى درجة أنه لم يعد يصدق الأشخاص الذين يقولون الحقيقة، وأصبح  لسان حال المواطن هو “اولاد عبد الواحد كلهم واحد”.
وتمثل الانتخابات اللحظة التي تكثف ممارسة الكذب، وتوزيع الوعود، وإطلاق العنان للعب بالأرقام، حيث تتحول الحملة لدى فئة واسعة من السياسيين إلى فضاء لتسويق الكذب وخداع الناخب، فالسياسة مجرد سلعة في “سوق سياسي”  يتحكم فيها منطق العرض والطلب، ولا تنفع معها لغة الأخلاق، أمام لغة الشاطر الأنجع، القادر على بيع سلعته بكل الطرق. وحين يسلم المرء بهذه الرؤية للسياسة، وهو حق يراد به باطل، يصبح الكذب مشروعا وتزكية الفساد أمرا مقبولا، والإقبال على “مول الشكارة” الذي يتقن شراء الأصوات، مسموحا به، لأن المحك يصبح هو الشطارة، يقول يحياوي.
من جهة أخرى، أصبح الكذب في السياسة جزءا من “البروباكاندا” المعمول بها في الحقل السياسي، والتي تجند لها إمكانيات بهدف نشر أخبار تدخل في إطار الحرب الإعلامية، خاصة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية التي تروج أخبارا تقف وراءها جهات سياسية، خاصة في مجتمع تنتشر فيه الإشاعة، وتغيب فيه المعلومة، وتنتعش فيه ثقافة الزيف والكذب، لدرجة يصبح معه الكذب جزءا من الحقيقة.
ويرى الباحث لحسن أمزيان، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة، أن الكذب ظاهرة مست أيضا الفاعلين السياسيين، الذين باتوا يوظفون الكذب في الترافع والمنافسة الانتخابية لكسب المزيد من الأصوات.
ورغم تحجج البعض بالرؤية الميكيافيلية التي تقول إن الغاية تبرر الوسيلة، لتبرير كل الممارسات، بما فيها الكذب، فإن السياسة تظل في معناها النبيل، هي مجالا  للسلوك القيمي المبني على الأخلاق والصدق، ولا يمكن أن تستقيم بدون معايير، يضيف الباحث أمزيان، مؤكدا أن هذا النوع من السياسيين الذين يغالون في الكذب بهدف الاستفادة اللحظية، غالبا ما يرمى بهم في الهامش على المدى البعيد.
واستدل أمزيان بعدد من السياسيين الذين احترفوا خطاب الادعاء والكذب، والذين انتهى بهم المطاف إلى الهامش، معتبرا أن هذا النوع يعكس بؤسا وعدم نضج أشخاص احترفوا السياسة دون امتلاك مبادئها الأولية ولا أخلاقياتها، بما هي ممارسة مسؤولة للدفاع عن توجهات وأفكار يبلورها الحزب من خلال مؤسساته وأعضائه.
برحو بوزياني

أمزيان: الكذب دخيل على السياسة

يرى الباحث في علم الاجتماع أن السياسة مؤسسة على معايير وأخلاق، وأن ممارسة الكذب والتراشق بالاتهامات والتي قد تصل إلى المس بالأعراض، كلها ممارسات دخيلة ومستجدة على الحقل السياسي المغربي.
وأوضح أمزيان أن أسباب هذا الانحطاط في الممارسة السياسية، هو الانسحاب شبه الكلي للمفكرين والنخب الحقيقية ذات الكفاءة والأخلاق، وترك المجال أمام أشباه النخب التي كرست تدني الخطاب السياسي، لتحل بذلك السطحية بدل التحليل، والكذب بدل الحقائق المسنودة بالمعطيات، وهي الوضعية التي ساهمت في نشرها الثورة التكنولوجية، ووسائل التواصل الاجتماعي والصحافة الالكترونية، والتي أصبحت آليات لنشر “الكذب السياسي” وتعميمه، في غياب آليات للضبط والمحاسبة، ناهيك عن تراجع القيم والاهتمام بالسطحيات، وكل ما هو مثير ولو كان كاذبا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق