fbpx
ملف الصباح

المغربي لايؤمن بالطب النفسي

الإيبوركي قال إن الدين رغم كثافته لا يلعب دورا مؤثرا في حياة الأفراد

قال الباحث عمر الإيبوركي إن هناك علاقة متوترة بين المجتمع المغربي والطب النفسي بحكم انتشار الفكر الخرافي الملتصق اعتباطا بتدين المجتمع. وتطرق الباحث في علم الاجتماع لمجموعة من المظاهر
والحالات التي تظهر أن العديد من المغاربة مصابون بأمراض نفسية ولا يعلمون أنها كذلك.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

بماذا يمكن تفسير العلاقة المتوترة للمغاربة مع الطب النفسي ولماذا لا يعترف أغلبهم به؟
إن اكتساب مجموعة من المعتقدات لدى المغاربة، وانتشار أفكار وهمية تجعلهم أقرب إلى الغيبيات والخرافة منها إلى الواقع العلمي، وهنا يكون محدد الأمية فاصلا  في عدم الاعتراف بهذا النوع من الأمراض، وبحكم الاعتقاد في ثقافة تقليدية يلجئون إلى الدجل والشعوذة، والرقية للعلاج منها لأنهم ينسبونها إلى قوى خفية، بينما هي نتيجة مجموعة من العوامل الموضوعية التي تتبلور انطلاقا من عملية التنشئة الاجتماعية، كما أن التقدم العلمي في مجال العلوم الإنسانية قد كشف العديد من العاهات النفسية المختفية التي تنخر العلاقات الاجتماعية، وتصيب سلوكات الفرد على مستوى شخصيته المرضية، وأن العلم قادر على استجلاء هذه الحالات وعلاجها. غير أن هذا الاعتقاد الخاطئ وانتشار الفكر الخرافي الملتصق  اعتباطا بتدين المجتمع دفع إلى هذه العلاقة المتوترة مع الطب النفسي.

ما هو الحد الفاصل بين السلوك المضطرب والمرض النفسي؟
إن كل الاهتمامات العلمية في دراستها لدينامية السلوك والشخصية كانت موجهة إلى الجوانب المرضية، فقد وفرت لنا هذه الدراسات نظريات تتعلق بالشخص المنحرف، والمريض والعصابي، والقلق الذي يسيء التوافق. على العكس من ذلك لا توجد دراسات تعطينا تصورا عن طبيعة السلوك النفسي السوي، لأن مفهوم الشخصية السوية متعدد المعايير والخصائص. بل إن هناك من يؤكد على عدم وجود إنسان سوي، ويبقى مجرد تصور نظري لا يتحقق في الواقع التجريبي.
إذا كانت الطبيعة الإنسانية التي تشكلت على الحاجيات الفطرية هي بالضرورة طبيعة سوية وإبداعية، لكن عوامل التنشئة الاجتماعية، وشروط الحياة الاجتماعية،أحدثت تراجعا على مستوى إحصاءات معدل الأشخاص الأسوياء نفسيا، وتزايد في عدد الأشخاص الذين يعانون أشكال الاضطرابات النفسية.

ما هي نوعية الأمراض المنتشرة في المجتمع ولا يعترف بها المغاربة؟
لا يسعنا هنا المجال للحديث عن أنواع الشخصية المرضية،أو المضطربة، ولكن دعني أحدد بعض أنواع الأمراض النفسية والاجتماعية المنتشرة في مجتمعاتنا ومنها “الاكتئاب” وهو الشعور بالحزن والتعاسة وعدم الإقبال على الحياة والرغبة في التخلص منها لعدم وجود هدف في هذه الحياة كحالة من التشاؤم، وعدم المبالاة بالأشياء التي كان المكتئب يهتم بها، ويتحول حبه للأشياء إلى كراهية وبذلك يفضل العزلة على الاختلاط،  ويؤثر ذلك في تفاعله مع الآخرين على مستوى المشاعر والسلوك.
من خلال الدراسات نجد مرض البارانويا أو الهذيان وهو الميل إلى الشك في الآخرين وعدم الثقة بهم، والمبالغة في اعتبار الذات بأنها صادقة، وطاهرة بينما الآخرون يتصفون بكل الصفات العكسية. وحينما يتوسع مجال الشك عند المريض بالهذيان ينتقل من الخوف إلى الظن، ثم  يدخل مرحلة  الشك المزمن، فيتكون لديه الشعور بأن الجميع ضده، يسعى إلى اضطهاده،وإلحاق الأذى به، ولكي يحمي نفسه لا يجب أن يثق بهم، فيلحق الأذى بنفسه لأن الهذيان يحطم علاقاته الاجتماعية مع أقرب الناس إليه (كالوالدين، والزوجة والأولاد)، ونتيجة لذلك يحصل له ما كان يخاف منه.
فالأمراض النفسية والاجتماعية لها تأثير على طبيعة تكيف وانسجام الفرد مع الآخرين، مع العلم أن الشخص المضطرب يعتقد اعتقادا جازما انه على حق وأن تصرفاته اللاشعورية صحيحة،وان الآخرين هم الذين لا يحسنون التصرف.
إن هذه الأمراض النفسية الاجتماعية تلعب دورا أساسيا في اضطراب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وتحول دون علاقات الانسجام والاندماج بين الأفراد بدءا من الأسرة إلى باقي المؤسسات الأخرى. ونحن نلاحظ أن الكثير من الاضطرابات التي تمس العلاقات الاجتماعية مصدرها اضطرابات السلوك عند بعض أفراد الأسرة أو العمل، مما يتسبب في الكثير من المصاعب والتعثرات، بل يؤثر ذلك على التابعين من الأزواج الأبناء، ورفاق العمل، وكل من يضطرون إلى التعامل معهم.

هل ساهم تغير نمط عيش المغاربة في ظهور أمراض نفسية جديدة؟
المجتمع المغربي الذي تغير نمط عيشه، بالانتقال من الندرة إلى الوفرة على مستوى الحاجيات بنسبة محددة، قد نقل معه معتقداته بما هو غيبي وخرافي وبالتالي أدى ذلك إلىى ظهور أمراض اجتماعية ونفسية متعددة، لا يتم الاعتراف بها. وهنا نلاحظ تلك المفارقة الغريبة،حيث تتوجه كل الفئات الاجتماعية إلى طلب العلاج في بعض الحالات من أهل الدجل،وإذا كانت الفئة الفقيرة تلجأ إلى ذلك لقلة ذات اليد، فان الفئة الغنية تكرس هذه الممارسات،لأنها تعتقد في أن المرض النفسي يدخل في باب السحر والشعوذة.
وقد كرست الوسائل التكنولوجية  هذه الحالات النفسية المرضية، بحيث تأثرت العلاقات الاجتماعية وتراجعت بعض القيم التي كانت تمنح الدفء النفسي والاجتماعي للفرد. وأصبح الفرد عاريا أمام التأثيرات الخارجية، وبدل استغلال تلك الوسائل لسعادته واطمئنانه،زادته كمدا ومشقة، ونفورا. وهنا يمكن الحديث عن الإفراط في حب الذات، وانتشار شكل من النرجسية، تدفع الكثير من الأفراد إلى التعالي، واحتقار الآخرين، وشكل آخر من السادية، إذ نلاحظ أن التكنولوجية الحديثة دفعت الناس إلى التلذذ بآلام الآخرين عبر تبادل الصور والفيديوهات، ولم لا أن البعض بدأ يتصيد الفرص لتصوير بعض المآسي لنشرها بدل تقديم المساعدة والعون. هذه كلها أشكال من الانفصام الاجتماعي والنفسي والذي يتجلى في اضطراب السلوكات الجماعية، والممارسات المتناقضة في مجتمع متدين، أو يدعي ويتعاطى التدين بنوع من الشراهة والمبالغة.
من خلال مجموعـة من الأبحاث السوسيولوجية والأنثربولوجية فان ظاهرة التدين، تعني طبيعة التمثلات الرمزية للمعتقدات، والتي توجه سلوك الإنسان، كما يرتبط التدين بنسق من الرموز يعمل على تأسيس طبائع ودوافع ذات سلطة، وتشكيل تصورات حول الإنسان والكون، وتصبح هذه التصورات اجتماعية وواقعية داخل المجتمع، غايتها خلق الفضائل المثلى. لكن هل تدين الناس يؤدي إلى الاطمئنان والسعادة وحب الآخر؟ أم أن النتائج عكسية، وما السبب في ذلك؟
أعتقد أن طريقة التدين تبرز شكلا من الانفصام السلوكي على مستوى المجتمع، ولعل أسباب ذلك تكمن في الجهل أولا تم توجيه الناس إلى فهم الدين غالبا ما يكون من طرف الجهلة أو بعض الجانحين عن الدين. وهنا يمكن أن نقف عند معاينة الظواهر التالية تصبح العبادة مجرد نشاط اجتماعي، وان الاعتبارات الدينية رغم كثافتها لا تلعب دورا مؤثرا في الحياة عند فئة عريضة من المجتمع، ففي الجوانب الكثيرة من الحياة اليومية كالتعاملات التجارية،والعلاقات الاجتماعية تكاد تغيب هذه الاعتبارات،فنصبح أمام شخصين: شخص يصلي، ويواظب على الذهاب إلى المسجد، ويصوم في رمضان، وقد يؤدي  العمرة، وفريضة الحج، وهو نفسه الذي يكذب، وينافق، ويسرق، ويرتشي، في تعامله مع الآخرين….
رمضان يعتبر محطة استراحة يطهر فيها المرء نفسه من الذنوب والآثام، من خلال الالتزام بالشعائر، وصلة الرحم، والإحسان، والامتناع عن المحرمات، وبعد هذا الشهر يواصل رحلته بعد ذلك بدون حرج لينغمس في تلك المحرمات.كما أن هذا لا يمنع من وجود سلوكات منافية “الترمضينة” مثلا التي يترتب عنها السلوك العدواني والعنف اللفظي والجسدي، والناس صيام.
– مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي كالواتساب، والفيسبوك، والتويتر في نشر الحكم والأحاديث وتبادل أحلى الكلمات، والتحايا في المناسبات، والأعياد، ومنها أعياد الحب، والأم، لدرجة أنه يخيل إليك أن العلاقات الاجتماعية سليمة، من خلال الإحسان إلى الوالدين والبر بهما، وصلة الرحم،وعيادة المريض، إلا أن المفارقة تكمن أن الناس مدمنون، ويعيشون في عالم افتراضي فقط عوضهم عن حالات من الاضطراب النفسي والاجتماعي، وانه لا علاقة لهم بالتمسك بمبادئ الدين.

في سطور

> أستاذ وباحث في مجال السوسيولوجيا
> حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة، ودبلوم الدراسات العليا في علم الاجتماع تخصص: النظريات الاجتماعية.
> حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع، من جامعة محمد الخامس بالرباط.
> أستاذ مشارك في شعبة علم الاجتماع بكل من كليتي الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعتي محمد الخامس بالرباط، وابن طفيل بالقنيطرة.
> له مساهمات متعددة في مجال السوسيولوجيا:
< كتاب “الظاهرة القائدية، القائد العيادي الرحماني”.عن دار بابل للطباعة والنشر، الرباط ،سنة 2000.
< دراسات ومقالات في مجلات متخصصة، ومساهمات في الجرائد الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق