fbpx
حوادث

نساء المحاكم … خبيرات بالتجربة

منهن من صارت ضليعة في تقدير أحكام القضاة وأخريات يكسرن هدوء القاعة بثرثراتهن وصراخ أطفالهن الأبرياء

هن نساء من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية جئن إلى المحاكم لأسباب مختلفة، لكن يبقى القاسم المشترك بينهن متابعة مثول أقربائهن وجيرانهن وأبنائهن أمام هيأة المحكمة. لا يمكن لزائر هذا الفضاء التابع لمنظومة القضاء إلا أن يثير انتباهه تكدس مجموعة من النساء في الكراسي المخصصة للعموم لمتابعة أطوار جلسات مثول المتهمين ومرافعات دفاعهم. جرائم القتل أو الاعتداء بالضرب والجرح والاغتصاب وتكوين عصابات إجرامية وترويج المخدرات الصلبة وسرقة المال العام واختلاس أموال الشركات والبنوك، كلها أسباب أتت بالجنس اللطيف الذي تحول بفعل تردده الدائم على ردهات المحاكم إلى قوة ناعمة المرأة فيها بمائة رجل، وهو ما يجعلهن يستحققن لقب «امرأة وقادة».

الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال. المكان المحكمة الاستئنافية بالبيضاء، يكشف عالما غريبا، المنتميات إليه، نساء طرقن أبواب المحاكم، لأسباب مختلفة ومتعددة، بينما فئة أخرى تحشر نفسها في قضايا لا تخصها لإشباع الفضول.

بمجرد أن يفتتح رئيس الهيأة الجلسة تنطلق فصول مثيرة من مسلسل بعنوان «غرائب نساء المحاكم».

«شنو عندك أختي يا كما حتى نتيا جاية على قبل ولدك؟» سؤال طرحته إحدى النساء المتابعات لجلسة المحكمة قبل أن تجيبها المعنية بالسؤال أنها جاءت لمتابعة تفاصيل مثول ابن أختها أمام هيأة محكمة الاستئناف في قضايا تتعلق بتكوين عصابة إجرامية.

كانت النسوة، يحاولن تمضية الوقت بالدردشة والحديث عن سبب وجودهن في المكان، إلى جانب كشف قصص التهم التي يتابع بها أبناؤهن أو أقرباؤهن وجيرانهن من قبل بعض العائلات التي قصدت هي الأخرى المحكمة من أجل أن تقول كلمتها في المتهمين. «شفتي هاداك الدري ما تعطيه كاع باللي قاتل روح». وتضيف أخرى «ما شفتيش براهش وباغين يوصلوا قبل الوقت، ناضوا داروا عصابة وبداو كيسرقوا بالعنف فعباد الله وكملوها بالاغتصاب» قبل أن تضيف أخرى «وشكون اللي كيمشي فيها ؟ الوالدين مساكن».

السكنى فالمحكمة

هي ساعات طويلة يقضيها أهالي المتهمين بدءا من انتظار موعد عرض ملفهم ومثولهم أمام القاضي للاستماع إليهم حتى موعد رفع رئيس الهيأة الجلسة إما للمداولة أو تأجيل الملف إلى جلسة لاحقة، لتغادر النساء رفقة أطفالهن قاعة المحكمة للعودة إلى البيت آخر النهار، وفي بعض الأحيان إلى ساعات متأخرة من الليل.

خبيرات بالتجربة

التردد على المحاكم جعل نساء يكتسبن صفة «خبيرات بالتجربة» إذ يحرصن على عرض خدماتهن على عائلات المتهمين، مؤكدات لها أنهن تحت تصرفهن في أي استشارة قانونية تتعلق بكيفية رفع الدعاوى وأسماء أمهر المحامين المعروفين بكسبهم للقضايا التي يترافعون فيها. وليس هذا فحسب بل هناك فئة أخرى تجاوزت عرض المساعدة إلى التجرؤ على تقدير حجم العقوبات التي سينطق بها القاضي باعتبارهن ألفن الملفات التي يتابعنها.

ترقب وقلق 

حياة صعبة مليئة بالقلق والخوف وحيرة القلب، إذ تعيش أسر وزوجات المتهمين معاناة صعبة، باتت من أصعب المآسي التي تعيشها بعض الأسر، خاصة وأن زوجات المعتقلين يتحملن عبئا ثقيلا، يبدأ من تحمل مسؤولية البيت، مرورا بعذاب الزيارات وما يلاقينه فيها، وصولا إلى متابعة المحاكمات بردهات المحاكم.

محنة مضاعفة

تعد مصاريف النقل للتوافد على المحكمة من مناطق بعيدة في البيضاء وضواحيها وكذا من مدن أخرى، من أكثر الأمور عذابا، وهو ما يجعل محنة الأسر والعائلات تتضاعف بسبب قصر ذات اليد.

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتزايد غلاء الأسعار، فإن مصاريف تجهيز الزيارات هي الأخرى عبء كبير على الزوجات بسبب الإرهاق المالي لأسر المعتقلين، خصوصا وأن أغلبهم إما أزواج يعيلون أسرهم، أو شباب كانوا يساعدون بشكل كبير في مصاريف الحياة اليومية لأسرهم.

وإلى جانب مصاريف الزيارات، فهناك مصاريف أتعاب المحامين، ومصاريف الأولاد الخاصة، واحتياجات الأسرة من مصاريف حياتية أساسية، فضلا عن أن عددا كبيرا من المعتقلين انقطعت مصادر رزقهم بعد الاعتقال، إما بالطرد من العمل، أو بسبب التوقف عن ممارسة نشاط تجاري.

حضانة داخل المحاكم

تعد رعاية الأبناء وتربيتهم وتحمل مسؤوليتهم بشكل منفرد هي أكثر الأعباء التي تتحملها النساء اللواتي يتابعن جلسات المحاكمة باستئنافية البيضاء، إذ يتسبب حرص النساء على اصطحاب أطفالهن إلى المحكمة في إنهاكهن حتى لا يقوم الأطفال بتكسير هدوء القاعة التي يتابع فيها المتهمون، الشيء الذين يحول قاعات المحكمة وأروقتها إلى فضاءات لحضانة الأطفال.

«تبركيك ونميمة» 

إذا كانت بعض النساء قد لجأن للمحاكم إما أملا في استرداد حقوقهن، أو قادتهن الرغبة في مؤازرة المتهمين معنويا بالمتابعة الدقيقة لأطوار محاكمتهم والدعاء لهم بالفرج وتخفيف عقوبتهم الحبسية قبل موعد النطق بالأحكام، فإن أخريات ليس لهن أي علاقة بما يروج بقاعات المحكمة سوى فضولهن تلبية لبلية «التبركيك والنميمة» إذ يحرصن على تتبع ما يروج في المحكمة من أجل جعله حكايات يؤثثن بها جلساتهن الخاصة في الحي الذي يقطنه.

لعبة القط والفأر

يكفي زائر محاكم البيضاء التنقل بين فضاءاتها حتى يتابع لعبة القط والفأر التي تمارسها النساء اللواتي يرتدن المحكمة الابتدائية الزجرية ومحكمة الاستئناف بالبيضاء. «مللت الانتظار من الصباح وانا كنتسنا والبوليس ما خلانيش نبقى واقفة فالباب»، وقبل أن تكمل المرأة حديثها، قالت أخرى كانت بجانبها، «واش أنت حمقة يدخلوك؟ راه ما ما كيبغيوش قوة الهراج والصداع، والمشكلة ما خلاوناش حتى نوقفوا حذا باب القاعة وممرات المحكمة وكل مرة كيجريو علينا».

وفي سلوك أخرى تصر بعض عائلات المعتقلين على إلقاء النظرة عليهم وهم داخل فضاء خاص يفصلهم عن جمهور القاعة حاجز زجاجي، وهو ما يثير غضب رجال الأمن المكلفين بالحراسة وأمن القاعة، إذ يبدؤون في طرد العائلات التي تخرق قانون متابعة ما يدور في جلسة المحكمة، قبل أن تظهر في الجهة الأخرى نساء وهن يتحدثن بصوت عال عن مشاكلهن وأسباب مجيئهن إلى المحكمة، وهو ما يجعل رجال الأمن ينهروهن مخاطبا إياهن «واش ما كتقاداوش من الهضرة الخاوية؟ خليونا هانيين».

قصص وحكايات

بشرى امرأة في ريعان شبابها حضرت مرفقة بطفليها لمتابعة تفاصيل مثول زوجها أمام القاضي، وتعاني في كل مرة تحضر فيها إلى المحكمة. وأضافت زوجة المتهم الذي يتابع في حالة اعتقال «عوض أن نجتمع حول مائدة الغذاء كباقي الأسر الأخرى، نجد أنفسنا مجتمعين في ممرات المحكمة ورابضين أمام أبواب المحكمة في انتظار خروج زوجنا المعتقل وهو داخل سيارة الشرطة لنقله إلى سجن عكاشة».

في حين هناك من لم ينل منهم تقدم السن ومصائب الحياة، للتوافد على المحكمة، والنموذج «مي عايشة» التي تبدأ الرحلة في السابعة صباحا، لتكون أول الواصلين إلى بوابة المحكمة، وتستطيع الدخول باكرا لمتابعة جلسات المحاكمة التي يمثل فيها فلذة كبدها.

رغم تجاوز «مي عايشة» 70 سنة، ورغم بنيتها الضعيفة تحرص على عدم التخلف عن متابعة ابنها أمام المحكمة، كما كشفت من خلال حديثها مع «الصباح» أنها تتكبد عناء السفر ومصاريفه من برشيد إلى البيضاء لزيارة ابنها المعتقل بسجن عكاشة ومتابعة محاكمته باستئنافية البيضاء، في انتظار النطق النهائي بالحكم في قضيته.

بكاء ومواساة

لا تخلو أي جلسة في محاكم البيضاء من ردة فعل عائلات المتقاضين، سواء منهم الضحايا أو المتهمون، إلا أن الأظناء ينالون القسط الأكبر من تفاعل عائلاتهم مع ما ينطق به رئيس الجلسة ومرافعات المحامين خصوصا منها التي تؤكد على وجوب إدانة الماثل أمام هيأة المحكمة، إلى حد البكاء.

وهي ردة الفعل التي تكسر هدوء القاعة وتتسبب في إزعاج المتابعين للمحاكمة ما يجعل رجال الأمن يطلبون من الحضور التزام الصمت أو مغادرة القاعة تجنبا لغضبة من رئيس الهيأة، الذي يحرص على عدم التشويش على أجواء المحاكمة.

إنجاز : محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق