fbpx
خاص

الرميد عدو الصحافة المستقلة

HINI41‭ ramid mustapha assabah RAMID Mustapha Sit in des journaliste 19112012 Bz 11

 

 

 

 

 

 

 

 

الهيني: متابعة الصباح تعكس الحقد الدفين الذي يكنه وزير العدل للحريات

فوجئ الرأي العام الوطني والدولي بمتابعة جريدة “الصباح” بتهمة القذف بناء على شكاية قدمها وزير العدل مصطفى الرميد، انزعاجا من خبر صحيح نشرته
حول انتقام الوزارة من القضاة،  وهذه المتابعة سابقة عالمية لأول وزير للعدل في التاريخ سطر جرما
في حق حرية الصحافة لم يسبقه له أحد.

ترجع خلفيات الشكاية إلى تذمر وزير العدل والحريات  من خط “الصباح” التحريري في تقييم سياسات الوزارة ومشاريعها القانونية والقضائية، وانتقاد حصيلة عملها، والأهم من ذلك هو متابعة ملف عزل قضاة الرأي الذي ظل كابوسا مزعجا للوزير، نتيجة تسييس القضاء وانتهاك كل ضمانات المحاكمة العادلة ومحاربة الشرفاء والسكوت عن مواجهة المفسدين الذين جعل منهم شعارا لحملة حزبه الانتخابية .
والحقيقة أن الشكاية بصحافي من أجل مقال عاد تثير الشفقة حول ما آلت إليه صدور حاملي زيف شعار الإصلاح وخطاب التدين من عدم قبول الرأي الآخر والرغبة في إسكات كل مخالف لا يدين بالولاء لأطروحاتهم أو أفكارهم أو سياساتهم، مما يعكس أزمة فهم الديمقراطية والجهل بأدبيات حرية التعبير.

فضح الفساد مهمة الصحافة

إن حرية الصحافة مكرسة دستوريا في الفصلين 25 و28، وتعلب دورا في دعم استقلالية القضاء وسيادة القانون والرقابة على مسيري المرافق العمومية، وفضح الفساد وإبراز مظاهر الخلل في التدبير وتقويم الاختلالات، والحرص على إخبار الرأي العام وإيصال المعلومة له بما يكفل الحكامة الجيدة وإشاعة ثقافة المسؤولية والمحاسبة باعتبارهما السبيل الأوحد لرعاية المصلحة العامة وحماية حقوق وحريات المواطنين وتشجيع الاستثمار .
إن الأمر لا يتعلق بممارسة قانونية تتمثل في تقديم شكاية كحق من حقوق أي مواطن، بل إن الخطير هو أن يقوم مسؤول يدبر مرفقا عموميا يتمثل في وزارة العدل في التجني على الصحافي والمساس بحرية تعبيره واستغلال صفته الحكومية ورئاسته للنيابة العامة، في البحث والمتابعة القضائية، للانتقام وإسكات جريدة “الصباح” لثنيها عن الاستمرار في مواصلة رسالتها الصحافية النبيلة بكل حرية وضمير والتي باتت تؤرق أبواق من يخشون الحقيقة ويخافون من الأصوات الحرة ويعشقون التمجيد والتطبيل.

من لا يقبل النقد يجب أن يجلس في بيته

من المضحك المبكي لكل صاحب فكر قانوني اعتبار انتقاد إحالة القضاة على المجلس الأعلى للقضاء لحرمانهم من الحق في الطعن قذفا، لأنه لا يستطيع طالب يفك شفرة نصوص القانون تكييفه كذلك، ولم أبالغ حينما قلت دائما إننا نعاني من ضعف واضح وكفاءة لا جدال فيها في العديد ممن يشغلون المرفق العام، فقد بات ملكية خاصة لهم، لا رأي إلا رأيهم، وكل من ينتقدهم فهو عدو لهم، فحرية التعبير عندهم هي حرية مناصرتهم والتزلف لهم والسير على منوالهم.
إن الخبر المنشور في الجريدة  يدخل في إطار النقد المباح وهو فعل ليس فيه قذف ولا سب ولا إهانة، أي ليس مساً بشرف الوزير أو اعتباره أو سمعته، وإنما هو نعي على تصرفه أو عمله بغير قصد المساس بشخصيته من جهة شرفه، وهذا فعل لا يدخل في دائرة التجريم، فالهدف من نشر المقال  التنبيه لخطورة عدم مراعاة الحقوق الدستورية للقضاة ومخاطر حرمانهم من المحاكمات التأديبية العادلة بالقفز على تنزيل مقتضيات الوثيقة الدستورية بإطالة أمد المرحلة الانتقالية  بتكريس هيمنة السلطة التنفيذية على الجسم القضائي والمؤسسات القضائية.
إن من لا يقبل النقد يجب أن يجلس في بيته، لأن المرفق العام ملك للوطن والمواطنين، ويحق للجميع الإدلاء برأيه بخصوصه، والصحافة ما خلقت إلا لتكون عين المواطن وبصره، الرقيبة والأمينة على الصالح العام، باعتبارها إنذارا مبكرا لتفادي ما يقع من خروقات وانتهاكات لوقفها ومنع وقوعها وأيضا تفاقمها، فالإعلام الحر والمستقل يضمن للمواطن الحق في الإخبار، هذا الحق يصنف في خانة الواجب على الصحافة فهي مثل الحارس، لا ينام ولا يغمض عينيه، فاستقلالية القضاء تعتبر حمايتها من أولويات الصحافة لأنه لا صحافة مستقلة دون قضاء مستقل ومحايد وغير تابع للسلطة التنفيذية.
وهكذا قررت الهيأة العامة للأمم المتحدة في أول اجتماع لها في 14/12/1946 :”أن حرية المعلومات هي حق أساس للإنسان، وحجر الزاوية لجميع الحريات التي تنادي بها الامم المتحدة.”،وتبعا لذلك أكدت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه :” لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل، والتماس الأنباء والأفكار وتلقيها، وبثها بأية وسيلة كانت، دون تقيد بالحدود الجغرافية.”، وفي الاتجاه نفسه أكدت المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه”.
1 – لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2 – لكل إنسان حق في حرية التعبير.
ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
وقد أعلنت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن حرية الصحافة تلزمها حماية خاصة كي تتمكن من أن تلعب الدور الحيوي المنوط بها، دور الحارس العام، ومن تقديم المعلومات والأفكار التي تهم الرأي العام. وفي قضية Lingens V. Austria:”اعتبرت أن حرية التعبير تشكل واحدة من الحريات الأساس في المجتمع الديمقراطي. ومن واجبها نشر المعلومات والآراء في القضايا السياسية وغيرها التي تهم المصلحة العامة.
وحرية الصحافة تقدم للجمهور واحدة من الوسائل لاكتشاف وتشكيل الرأي واتجاهات القادة السياسيين، لأن حدود النقد المقبول تكون أكبر عند تطبيقه على السياسيين بالمقارنة مع آحاد الناس.
إن القانون الجزائي النمساوي عندما يطلب من الصحافي إثبات صحة إسناداته فذلك أمر مستحيل وينتهك حرية الرأي نفسها، …وقالت إن إثبات الحقائق مطلوب أما إثبات الأحكام القيمية فهو غير قابل للإثبات..
وفي مصر كرس اجتهـــاد المحكمة الدستورية العليا قــاعدة أنه من الخطر فــرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها.. إذ لا يجـــوز لأحـــد أن يفــرض على غيـــره صمتا ولو كان معـــززا بالقانــون.. وانه إذا أريد لحرية التعبير أن تتنفــس في المجال الـــذي لا يمكـــن أن تحيا بدونه، فإن قدرا مـــن التجاوز يتعــين التســامح فيه، ولا يسوغ بحال أن يكـــون الشطط في بعض الآراء مستوجبا إعاقـــة تـــداولها. (القضية رقم 42 لسنة 1995).
وفي قضية أخرى اعتبرت: “أن حرية التعبير، وتفاعل الآراء التي تتولد عنها، لا يجوز تقييدها بأغلال تعيق ممارستها، سواء من ناحية فرض قيود مسبقة على نشرها، أو من ناحية العقوبة اللاحقة التي تتوخى قمعها، بل يتعين أن ينقل المواطنون من خلالها – وعلانية- تلك الأفكار التي تجول في عقولهم، فلا يتهامسون بها نجيا، بل يطرحونها عزما – ولو عارضتها السلطة العامة- إحداثا من جانبهم بالوسائل السلمية لتغيير قد يكون مطلوبا، فالحقــائـــق لا يجــوز إخفـــــاؤها، ومــن غير المتصور أن يكــون النفاذ اليهـــا ممكنا في غيبة حرية التعبير.
(قضية رقم 17 لسنة 1995، انظر: -يحيى شقير: مقال المعايير والآليات الدولية الخاصة بحرية الرأي والتعبير، منشور بموقع https://yahiashukkeir.wordpress.com)

سمعة الوطن أولا

إذا كان الوزير يخاف على سمعته، فالأولى أن يخاف على سمعة الوطن الذي لن يرضى بمحاكمة الصحافيين ومتابعة الأقلام الحرة،ولصوص المال العام يتحركون بدون حسيب ولا رقيب.
وهكذا إذا كان الاعتقاد لدى السذج أن الشطط يزكي الخوف ويضعف إرادة المتابعة والفضح فإنهم واهمون، لأن الشطط لا يولد إلا إرادة المواجهة والتصدي لإقبار الظلم وأصحابه، فالتاريخ لا يسجل إلا الصفحات المشرقة البيضاء الحامية للحقوق والحريات، أما الصفحات السوداء المعزولة عن المجتمع فلا يتذكرها إلا أصحابها.
إن تكثير سواد الشكايات ضد الصحافيين، على تعددها وتنوعها غير قادرة على التمييز بين قواعد الحكامة الجيدة للمرافق العمومية وبين تقديس الأشخاص وتحصينهم من النقد بالمخالفة للدستور، وغير معتبرة لما استقر عليه القضاء المقارن بأن من لا تتسع نفسيته للنقد أن يلزم بيته وألا يقبل بأن يكون مسؤولا، وما خلص إليه قرار شهير لمحكمة النقض الفرنسية بأنه ﻻ يمكن لمن يتولى المناصب والمسؤولية في تسيير الشأن العام أن يحصن سياساته من النقد حتى لو تضمن عبارات تقدح في كفاءته وقدرته على حسن الإدارة.
وحينمــا تفــرط الإدارة في التشكــي فإنها تعبر عن حالة القصور في نمط تفكــيرهــا وآليات اشتغالها، وتبين أنها فعلا تحتاج للمواطن أو للصحافي ليسير الشأن العام بدلا عنها لتنكبَّ هي على متابعة شكــاياتها وتنقلــب المعــادلة، لأن الصحافي أو المواطن لن يجد من يستقبل شكايته، فالأزمة أزمة قيم، لأن المسؤول الإداري يعتبر أن الإدارة في ملكــه وكل نقد هــو موجه له شخصيا ويمــس كرامته ويقدح فيه، ويبين فشلــه، دون أن يعي، بأن المرفق هو ملك للمواطنين ويندرج فــي إطار تسيير الشأن العام الذي يربط بين المسؤوليــة والمحاسبة، وأن النقد عمليـــة صحية للبناء والتطوير، وهو من مستلزمات حــرية الــرأي والتعبيــر والبحــث والتلقي، وهو أيضا من أسس الديمقـــراطية السليمة فهو غير مقصود بذاته وإنما مجرد آلية لتوفير المعلــومة وتخليق المرفق العمــومي وضمان شفــافيته وحق الولوج إليه، وتحقيق حكامة جيــدة لصالح المواطن، فالإدارة ملزمة بتكريس الحق في الوصول إلى المعلومات باعتباره حقا من حقوق الإنسان -الفصل 27 من الدستور- ومظهرا لحرية الرأي التي يقتضيها وجود مجتمع المعلومات الديمقراطي اللازم لتشكيل رأي عام حر ومتنور، وملزمة أيضا بالإنصات والتواصل والانفتاح على الإعلام بكل تواضع لا إقامة حدود وهمية للانغلاق والعداء.
وحق الشخص في تلقي المعلومات يشمل حتى المعلومات التي لا ترتاح إليها الإدارة، لأنه في إطار المجتمع الديمقراطي من حق الشخص أن يطلع على كل وجهات النظر، وكل الصِّيغ حول الأحداث ليستطيع الخروج برأي متكامل.

لا يجب قمع الصحافي بشكايات كيدية

إذا كانت الإدارة تعتبر أن بعض الآراء والمعلومات غير دقيقة، فإنها تملك حق الرد والتصحيح لكن لا يحق لها فرض الرأي الوحيد، أو فرض الصمت، أو ترهيب الصحافيين بشكايات كيدية لفرملة دوافع واتجاهات التغيير لديهم حتى تجد أصوات التفاهة منفذا حقيقيا للعبور بأمان أو على الأقل تعبد الطريق لهم للتمجيد والتصفيق، فالصحافي لم يبرم عقد تصفيق مع الإدارة، بل أبرم مع المواطن وفقا للدستور عقد الرقابة والمحاسبة ونقل المعلومة لأن حرية الصحافة طبقا للفصل 29 من الدستور مضمونة ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية.
ويمكن للصحافي أن يرفع دعاوى المسؤولية المدنية عن التشكي غير المشروع الكيدي، كما يمكنه أن يرفع شكاية بشأن الوشاية الكاذبة أو إهانة الضابطة القضائية بصنع جريمة خيالية.
وأخيرا يمكن القول إن من ينزعج من النقد، فليلزم بيته، ومن يهوى التمجيد والشكر، فلينظر في المرايا ليرى نفسه، وليبرم عقود تصفيق خارج نظام الصفقات العمومية، وبعيدا عن الإدارة والصحافة والمواطن.

في سطور

> قاض سابق
> مدير المركز الدولي للاستشارات القانونية والسياسية والاقتصادية والإستراتيجية بالقنيطرة
> خبير دولي ومستشار قانوني ومحكم
> دكتور في الحقوق
> أستاذ زائر بكليات الحقوق
> منسق الجبهة الوطنية لمناهضة التطرف والإرهاب وفاعل حقوقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى