fbpx
خاص

بعض الروايات المتوجة بـ”البوكر” فضيحة

الروائي عبد الكريم جويطي قال إن الجوائز  لا تقتل نصا ولا تحييه

قال عبد الكريم جويطي إنه فوجئ بإقصاء روايته «المغاربة» من بلوغ القائمة القصيرة لجائزة بوكر التي أعلن عنها أول أمس (الخميس)، وأضاف أن روايته لم تخسر شيئا لأن الإقبال عليها ما زال قائما. وتحدث صاحب «كتيبة الخراب» عن علاقة الأدب بالجوائز وعن «الخلطة السحرية» التي منحت نصه قوة جعلته من النصوص التي استأثرت باهتمام القراء والمتتبعين، كما كشف عبر هذا الحوار الذي خص به «الصباح» عن جديده المتمثل في كتاب من ثلاثة أجزاء عن «تاريخ بلاد تادلة».

< خلو القائمة القصيرة لجائزة البوكر من رواية «المغاربة» كان مفاجأة للكثيرين. ما تعليقك؟

< لم أفاجأ وحدي لهذه المسألة، لكن هذه هي طبيعة الجوائز  فلا يحكّم فيها الملائكة، بل أشخاص لهم ميولات وأهواء وبالتالي لا ينبغي أن نحمّل آراءهم ما لا تحتمل. اختيار  لائحة هو تعبير عن آراء تلك اللجنة، وتاريخ الأدب العالمي مليء بنصوص لم يعطها حقها، وكتاب كانوا يستحقون جوائز رفيعة ولم يأخذوها. استغربت مثل الجميع، وأعتقد بأنه كان هناك إجماع حول رواية «المغاربة» سررت به، وقيل فيها ما يقال عادة في النصوص الكبيرة من قبل كتاب ونقاد ومهتمين، وما أجمعت أمتي على ضلال، لأنه من الصعب جدا أن يجمعوا على نص بهذا الشكل.

 وقد سبق لي أن شربت من الكأس نفسها في 2008 مع رواية «كتيبة الخراب» التي كانت ضمن القائمة الطويلة ل»البوكر» لكنها لم تمر إلى القصيرة  رغم أنها كانت تستحق، قياسا إلى النصوص التي نافستها. أعتقد أن كل عضو  من هذه اللجنة جلب كاتبا من بلده، و هناك ملاحظة أخرى تتعلق بغياب الدول المغاربية عنها إذ لا يعقل أن لا يكون هناك، على الأقل، نص واحد من أحد هذه البلدان، بينما الآن الروايات التي تكتب في العالم العربي تنتج في البلاد المغاربية من أجود النصوص، وعلينا أن نطرح سؤالا كبيرا بخصوص غياب تمثيلية لهذه البلدان داخل لجنة تحكيم الجائزة.

كما أن الجائزة لا تقتل نصا ولا تحييه، ما يفعل ذلك هم القراء، وأعتقد أن بعض النصوص التي فازت ب»البوكر» كانت فضيحة فهي لا تُقرأ، والذين قرؤوها لا يكملون بالكاد الفصول الأولى منها، ما يجعلنا نطرح السؤال كيف اختيرت هذه النصوص، لذلك أتمنى أن لا تكون الجوائز العربية مثل حال بلدانها. مؤسف جدا أن تعكس الجوائز العربية حالنا كعرب. من يحكم في نهاية المطاف على الأدب هو التاريخ، لأن هناك نصوصا فازت بجائزة «نوبل» ولم يعد يذكرها أحد وكتاب لم يفوزوا بهذه الجائزة مثل بورخيص يعتبرون معلمين للبشرية في مجال الأدب. رواية «المغاربة» لم تخسر شيئا فهي تقرأ بشكل كبير، بل إن ناشرها بشرني بأن طبعتها الثانية على وشك النفاد وهم بصدد إعداد طبعة ثالثة، رغم صدورها قبل بضعة أشهر، وهذه مسألة سرتني كثيرا.

<  ألا ترى معي أنه ربما غوص رواية «المغاربة» في السياق المغربي المحلي كان عائقا أمام اقتناع لجنة التحكيم بها؟

<  من الممكن أن تكون هذه المسألة إحدى تعلّات إقصاء النص، لكن في المقابل هناك نصوص أخرى كانت مشبعة بالمحلية وسبق لها أن توجت، فعلا الرواية ظاهريا تتحدث عن المغاربة لكن في العمق تتحدث عن كل البلاد العربية حين أتحدث عن الدين أو القبيلة أو السلطة أو مصر وتأثيرها فينا عربا. أتمنى أن لا يكون السبب هو هذا، لأنه إذا كان كذلك فستكون طامة كبرى، وإلا لكان هناك كتاب آخرون لن يستحقوا التتويج فقط لأنهم تحدثوا عن قرى أو مدن عاشوا فيها كما هو الشأن بالنسبة إلى كتاب أمريكا اللاتينية واليابان وروسيا.

<  ألا تلاحظ أن الحديث حول الجوائز يصرف الانتباه عن النقاش الأدبي والمضموني للنصوص؟

<  أتفق معك، لأنه لما ظهرت هذه الجوائز خلقت الكثير من الزيف. رغم جاذبيتها خاصة وجلبها للرواية العربية قراء ما كانوا ليصلوا إليها. مع كامل الأسف لا توجد لدينا إحصائيات دقيقة حول نسبة مقروئية النصوص المختارة لهذه الجائزة، كما هو الأمر بالنسبة إلى الجوائز الغربية فمثلا فوز نص بجائزة معينة معناه رقم معين من المبيعات، لا توجد لدينا إحصائيات رسمية للتأثير الفعلي لهذه الجائزة، فهناك تأثير لكن لا توجد أدوات لقياسه. كما أن هذه الجوائز دفعت أناسا كثيرين لكتابة الرواية لأن التتويج أمر مغر، فيه شهرة وشيء من المال، لذلك ظهر بعض المحترفين الساعين إليه، وشخصيا لا أقيم وزنا لهذه المسألة بدليل أن المسافة الزمنية الفاصلة بين نصي «كتيبة الخراب» و»المغاربة» تصل إلى عشر سنوات. بطبيعة الحال كنت أتمنى التتويج وسأكون كاذبا إذا قلت العكس، ولكن لا أكتب للجائزة وإلا لكنت كتبت كل سنة نصا لأجرب حظي مع لجن التحكيم.

الجانب السلبي في الجوائز هو أنها أعلت من شأن نصوص ضعيفة وظلمت نصوصا أساسية، ليس فقط في هذه الدورة بل أيضا في الدورات السابقة، لأن المشكل في جائزة «بوكر» أنها لا تعتمد أسلوبا أكاديميا في تصنيف الأعمال، لأن هذا الأسلوب هو الذي يحصن الجائزة من الآراء الطائشة لبعض أعضاء لجنة التحكيم، لذلك أطرح السؤال هل الروايات المتوجة ب»البوكر» هي أحسن الروايات العربية وهل النصوص التي أعلت من شأنها هذه الجائزة قادرة على الصمود في وجه التاريخ الأدبي؟ وإذا تحدثت بشكل شخصي عن النصوص التي أثرت فيّ بشكل كبير وأنا مدين لها كاتبا، فسأستحضر مثلا نص «مالك الحزين» لإبراهيم أصلان أو نص «فساد الأمكنة» لصبري موسى أو «المسرات والأوجاع» لفؤاد التكرلي، فهذه الروايات لم تتوج، في حدود علمي، لكن أصحابها يظلون من الكتاب الكبار في العالم العربي، وهناك أحيانا نصوص تقع عليها لعنة الجائزة، وأحيانا الجوائز تفسد بعض الكتاب الواعدين والمهمين، لأنه عندما يبدأ حياته منذ النص الأول أو الثاني بجائزة يعتقد أنه أصبح كاتبا كبيرا مكرّسا، وأغلب من حصلوا على «بوكر»، باستثناء محمد الأشعري، الذي كتب نصا جميلا بعد تتويجه هو «علبة الأسماء»، جاءت نصوصهم ضعيفة ومهلهلة، مثلا يوسف زيدان لم يستطع تجاوز نصه المتوج «عزازيل».

< بالعودة إلى نص «المغاربة» أجد نفسي أعيد سؤال كتاب آخرين عنه هو كيف أتتك الجرأة نفسيا وأدبيا لتخوض مغامرة الكتابة عن شعب متعدد الأعراق والمكونات وعصي عن التصنيف؟

<  قضيت الوقت الكافي لأتجرأ على الموضوع، لأنني حضرت لمدة تقارب ثماني سنوات وأنا أقرأ بنهم وبشكل يومي كتبا في التاريخ وحول الكرامات والفقه والرحلة وكل ما يتعلق بالمغرب.

< هل قراءاتك هي التي قادتك لموضوع الرواية أم العكس؟

< كان في بالي أن أكتب نصا عن المغاربة، لأن السؤال الذي ظل يؤرقني هو ما معنى أن أكون مغربيا؟ وكأنني في نهاية المطاف كتبت عن نفسي، فالكتابة هي أيضا جرأة على الذات وغوص فيها، ولأني ابن هذا البلد فمن خلال تأملي في ذاتي وردود أفعالي ورؤيتي للأشياء، في نهاية المطاف من يقرأ الرواية يحس أنني تجرأت على هذا الموضوع، لكن أستطيع أن أقول إنني استطعت أن أقدم نصا متماسكا وغنيا، مكتوبا بنَفَس أدبي متعدد وظفت فيه المسرح والشعر.

< لعل الخلطة السحرية للنص تمثلت في القدرة على حسن تصريف المعلومات المكثفة فيه بأسلوب أدبي؟

< ربما فالرهان الذي وجّهني هو كيف أسيطر على تلك المادة المعرفية؟ وكيف أجعل القارئ  يحس بأنني لا أهاجمه بذلك الكم الهائل من المعلومات، فكل المعارف التي جمّعتها، من خلال القراءات، حاولت أن أخضعها لمنطق الرواية وأصنع منها نصا مشوقا ومستفزا بإمكانه أن يحرض كتابا آخرين على كتابة روايات عن المغاربة.

< ألا تفكر في كتابة جزء ثان أو ثالث في هذا الموضوع؟

< لا  بل أفكر في رواية أستعد لها وأتمنى أن تكون لدي الطاقة لكتابتها، تتعلق بتيمة التغيير بالمغرب والعالم العربي، إذ كلما أحسسنا بأننا نتغير نحو الأفضل إلا وتبين لنا أن هذا التغيير مجرد سراب، وعودة قوية إلى الماضي.

< كيف لكاتب مثلك ارتبط بحيز جغرافي ضيق، هو بني ملال، أن يمنح لنفسه إمكانية السفر ذهنيا وتخييليا عبر الأدب؟

< بني ملال هي قدري وربما أنا قدرها أيضا وصوتها، فغوستاف فلوبير قال عن «مدام بوفاري» هي أنا، وأحس أيضا أن بني ملال هي أنا فهي تعيش بداخلي وتتخيل من خلالي، وأنا أداة في يد هذه المدينة، لذلك لا أستطيع أن أعيش خارجها ومهنيا تضررت كثيرا لأنني رفضت أن أغادرها أو أنتقل إلى مكان آخر.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى