ملف الصباح

الحمام ملهم للشعراء

في كتابه “شعرية الحمامات”للكاتب والشاعر أحمد بلحاج آية وارهام يرصد “الفضاء الحمامي”باعتباره فضاء ملهما، فيه ينفصل الإنسان عن العالم الخارجي ويخضع لطقوس فيها المشترك وفيها المختلف بين الحضارات الإنسانية على اختلاف مواقعها وأزمنتها.
ولا يقصد آية وارهام الحمامات العادية المألوفة في المنازل، والمكرسة للنظافة اليومية، وإنما يقصد نوعا خاصا من الحمامات له جاذبيته الجمالية والسحرية والشعرية. إنه فضاء معماري استمد شرعيته من محيطه، ووجوده من فضاء الحضارة العربية الإسلامية بزخمها، ورونقها، وثرائها، وخصوصياتها.
ويعتبر الشاعر المغربي الحمامات “مركَّب معماريا جماليا يبدع الجمال، يجمع بين شعرية المكان، وشعرية الهندسة، وشعرية الطقوس، وشعرية الحقبة، لا تختلف في ذلك حمامات دمشق عن حمامات القاهرة، ولا حمامات بغداد عن حمامات اشبيلية وغرناطة، ولا حمامات إيران عن حمامات  تركيا، ولا حمامات فاس ومراكش وتطوان وطنجة ووجدة ومكناس عن حمامات تلمسان وتونس والقيروان…إلا في لمسات تهجس بها الجهة، وتشي بِطَابَعِهَا”.
وهذا الثراء المعماري في الحمامات، حسب صاحب “العبور من تحت إبط الموت”ليس بذخا، ولا ترفا وإنما هو ضرورة حياتية فرضها مستوى العيش العام، وتَطَلَّبَهَا إيقاع التطور، والبعد الروحي الذي يربط الإنسان بقبة السماء. فهو يتطهّر ويتجمل ويتزين في الحمام، ثم يدخل إلى المسجد ليناجي خالق الكون قبل أن يأتيه نداء الرحيل. وفي كل هذه الأمكنة الثلاثة: الحمام، المسجد، الضريح تعلوها القباب، فما السِّرُّ في ذلك؟ وإلى ماذا يرمز؟ إنه ارتباط جوَّاني بقبَّة السماء، وانشداد إلى الفلك الأعلى.
وقد حاول الشعراء أن يلجُوا هذا الفضاء السحري المؤسطر، بما فيه من نقوش وتخاريم ومَضَاوٍ وقبابٍ معشقة كلها بزجاج مُلون يعكس ألوان الطيف، ويتحاضنُواْ معه، ويصهروا ذواتهم في ذاته، ويسكبوا من خلجاتهم مرايا تُظهر منه ما خفي، وتُقَرِّبُ ما بعُدَ. كل ذلك في شعرية تبتكر لُغتها وتندلعُ، وتُريق ألـــوانها وتتــوهج. فهي شعرية تحتفي بالجسد، وتلدُ معجما لم يُولدْ في المعاجم مثله، وتفتــح سكنا في أزمـــة الإسكـــان الشعــري، وتفجر عينا لم تُفسدها أنفاس النمطيــة القاتلــة، وتُشكــل عالمًا ثريا مُبهجا، فيــه عجــائبية وغرابة، وطرافة ودعابة، وبساطة و أناقــة، ونفاذُ بصيرة لا يخلو من مفارقة.
إن الشعر الذي كتبه الشعراء عن الحمامات كمركبات جمالية، يقول صاحب “حانة الروح”وظيفتها إنتاج الجمال بكل صنوفــه ـ ليـس سوى إنتاج للذات في فرديتها وفرادتها، خارجة عن النسق الإبستيمولوجي الرسمي، والحصار الأونطولوجي المُشيَّأ. فهو قفزةُ ذات شاعرة مسافرة في سماء غير السماء التي يستسقفُها الشعراء الذين نصبهم تاريخ الأدب ممثلين للحساسية الشعرية العربية.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق